منذ وقوع جريمة حرق الفتى الفلسطيني محمد ابو خضير الأسبوع الماضي، وخطاب الإدارة الأميركية يلوك العبارات والمفردات الخاوية ذاتها. إدانة لفظية وتعبير عن »القلق«، مع مطالبة الطرفين بـ»ضبط النفس« وبإنجاز تحقيق »شفّاف«.
أبعد ما ذهب إليه توصيف وزارة الخارجية للجريمة كان وضعها في خانة العمل »الحقير«. وكأن حرق الانسان حيّاً لا ينزل في خانة العمل الإرهابي متى كان الفاعل إسرائيلياً. فهذا التصنيف متروك ومحجوز للفلسطينيين لا ينطبق على الإسرائيليين مهما بلغت بربرية ما يرتكبونه، سواء كانوا من طراز باروخ غولدشتاين صاحب مجزرة الحرم الإبراهيمي في التسعينات، او من النوع الذي يضرم النار بضحيته التي لم تتجاوز بعد سنّ البراءة.
فهؤلاء فقط متطرفون »شواذ« أو من اصحاب العقول »المختلة«. وبهذه المقاييس هبط قتل أبو خيضر في القاموس الأميركي الرسمي كما في بعض المقاربات الإعلامية، إلى مصاف الفعل الذي ارتكبه »متطرف«. وفي ضوء توقيته، كان مجرد »انتقام« لمقتل الفتيان الإسرائيليين الثلاثة قبل أيام مع ما ينطوي عليه ذلك من اسباب تخفيفية، بلغة القانون.
انحياز وتحقيق
رفض مساواة خطف الفلسطيني بخطف الثلاثة الإسرائيليين من حيث التوصيف، تفوح منه رائحة الانحياز الفاقع الذي لا يحتمل. لاسيما وأن مقتل الفلسطيني حصل بطريقة همجية أقل ما يقال عنها أنها عمل إرهابي. بدلاً من ذلك، جرى التنويه بجدية السلطات الإسرائيلية التي عثرت على مضرمي النار بالمغدور الفلسطيني.
السيناتور الجمهوري لاندسي غراهام يشيد بجدية إسرائيل في إجراء التحقيق اللازم لكشف قاتل ابو خيضر، »بينما الطرف الثاني لا يقوم بمثل هذا التحقيق« لكشف قاتلي الإسرائيليين. وفي هذا السياق، كان من غير المفاجئ ان يتم التركيز على جريمة الحرق كعمل فردي لا جذور ثقافية له. بل جرى تقديمها على أنها تسببت بـ»صدمة« في إسرائيل.
كما جرى تسليط الأضواء على تعليقات رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي بقي ساكتاً لعدة ايام قبل أن ينطق واعداً بـ»تحقيق شفاف«، بهدف تنفيس حالة الاستياء والنفور التي أثارها الكلام في الإعلام الأميركي عن جريمة حرق الفتى حيّاً.
مواطن أميركي
وليس ذلك فحسب، بل أن خطاب الإدارة الهزيل والممل تواصل حتى في التعامل مع توقيف أبو خيضر الآخر نسيب الضحية، وتعذيبه في مقر الشرطة الإسرائيلية؛ بالرغم من صغر سنه ومن كونه زائراً يحمل جواز سفر اميركي. القانون الأميركي يفرض الاحتجاج بشدة على ضربه ومساءلة السلطات الإسرائيلية ومطالبتها بتقديم تفسير سريع لما تعرّض له.
لكن بعد عدة أيام ما زالت واشنطن تتحدث بلغة »القلق والتعبير عن »الصدمة« و»الإدانة«، مع شبه مناشدة للسلطات الإسرائيلية لـ»الإسراع في التحقيق«. بل أن وزارة الخارجية لم تقوِ، أو لا ترغب، على مطالبة إسرائيل برفع الإقامة الجبرية المفروضة على أميركي ما زال في الخامسة عشرة من عمره.
»التوقيف مبرر إذا كان الموقوف مذنبا بارتكاب جريمة« كما قالت الناطقة الرسمية في الخارجية. هي تعرف أنه ليس في الأمر جريمة. لكن مع ذلك اختارت واشنطن »اكتمال التحقيق!« ربما لأن السفير الإسرائيلي في واشنطن يقول بأن الموقوف »ليس بريئاً. كان يعمل للإثارة!«.
