حينما أطلق حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا حملة «سجق.. لا كباب»، نُظر إلى الأمر على أنه جولة جديدة من جولات السخف الشوفيني الذي ما فتئ يمارسه ذلك اليمين في غير بلدٍ أوروبي. اعتبر الحزب حينها أن الهوية النمساوية والعادات والتقاليد مهددة بسبب «غزو» مطاعم الكباب التي انتشرت بكثافة بدلاً من مطاعم السجق.. الأكلة الشعبية في النمسا وألمانيا.


واليوم، ومع اشتعال بؤر التوتر في بلدان الشرق الأوسط، وتحديداً سوريا والعراق، فضلاً عن استمرار الانفلات الأمني في ليبيا وأفغانستان وإيران، من دون نسيان بؤر قديمة - جديدة في القارة العجوز نفسها مثل أوكرانيا والبلقان، يبدو أن لمخاوف الأوروبيين، وليس فقط يمينهم المتطرف، أسساً معقولة.


وقد يٌفسر فوز اليمين في انتخابات البرلمان الأوروبي قبل أزيد من شهر على أنه مؤشر بأن الناخب هناك بات يرى في موجات المهاجرين تلك تهديداً واضحاً على ثقافته وأمنه واستقراره.

ويعزو بعض الساسة الأوروبيين ارتفاع منسوب التأييد لليمين إلى الأزمات الاقتصادية والتململ الشعبي من فضائح الفساد السياسي المتوالية، ويردها اليمين نفسه إلى المهاجرين غير الشرعيين من بلدان العالم النامي الذين يتهمهم بالتسبب، أو على الأقل المساهمة، في الأزمات الاقتصادية، بسبب تكبيدهم خزينة الدول التي يقيمون فيها مبالغ طائلة بتفضيلهم الاعتماد على ميزات دولة الرفاه الاجتماعي.
سياسة الاندماج
وإن كان في مبررات اليمين الكثير من الصحة، فإن المشكلة الأكبر تكمن في فشل سياسة الاندماج من قبل الحكومات الأوروبية من جهة (باستثناء ألمانيا) ونفور العديد من المهاجرين من ذلك المبدأ الأساسي بسبب الخلافات الحضارية العميقة وعدم استيعابهم فكرة أنهم باتوا مواطنين لدولهم التي يعيشون فيها من جهة أخرى، من دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال قطع صلتهم بوطنهم الأم أو التنصل من هويتهم السابقة.


ليست حملة حزب الحرية وحدها التي استعدت المهاجرين وثقافتهم، بل كان لأوسكار فرايزينغر، صاحب مبادرة حظر المآذن في سويسرا، جولات مماثلة، وهو الذي اتهم العولمة، نفسها التي يستعديها كثيرون في العالم النامي، بالتسبب بتدفق المهاجرين إلى بلاده. والثابت هنا أن المخاوف من العولمة يحملها على ضفتي البحر المتوسط الطرفان اللذان يخشيان الاندماج أو لا يؤمنان به.
«الجهاديون البيض»
من الجلي أن أوروبا دفعت أثماناً باهظة في سبيل استيعاب ودمج أولئك الباحثين عن حلمٍ جديد فيها على الرغم من حالة التخبط الرسمي في حل إشكالية التكامل.

ومن المؤسف بعد كل ذلك أن ترى هولنديين من أصول نيجيرية في مقهى بأمستردام يشجعون فريقهم، الذي يفترض به أن يكون سابقاً، خلال بطولة كأس العالم بكرة القدم ويديرون كتفهم إلى فريق وطنهم الجديد، الذي يفترض أنهم أقسموا الولاء له.


والظاهر أن أوروبا مقبلة على انفجار كبير عنوانه اللاجئون غير الشرعيين، يضاف إليه أولئك الذين باتوا هَمَ منظريها الأمنيين الأول.. «الجهاديون البيض»، الذين يُستقطبون من قبل المتطرفين من القادمين الجدد المقيمين في غيتوهات تعتبر إلى حد بعيد خارج اهتمامات السلطات المحلية..

وهذا خطأ آخر ترتكبه تلك السلطات. وقد لا يصدق كثيرون أن مثل تلك الغيتوهات في بروكسل مثلاً، وهي عاصمة الاتحاد الأوروبي، تقع على بُعد مرمى حجر من مؤسساته، حيث يشعر المرء معها بأنه في حضرة حي عشوائي بالدار البيضاء أو لاغوس.

والحال، أنه بالإمكان فكفكة لغز تلك المعضلة من خلال حملة «سجق.. لا كباب» وألوان الأعلام في المقاهي الأوروبية خلال مباريات كرة القدم، بل وحتى الاستبيانات التي تكشف جهل الكثير من المهاجرين المجنسين بالنشيد الوطني لدولهم الجديدة.

ويبقى أن أحداً ليس بمقدوره تصور فداحة ما سيسببه ذلك الانفجار من كوارث ستمتد آثارها بلا شك إلى مناطق عدة حول العالم.

خصومات
تبقى الخصومات عميقة بين المشككين في أوروبا البريطانيين بزعامة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وبين اليمين المتطرف، حيث عجزوا جميعاً عن تشكيل جبهة موحدة.
وهذا ما يضعف قدرتهم على إعاقة سير عمل المؤسسات الأوروبية. وازدادت التكهنات بانهيار مؤسسات الاتحاد الأوروبي مع تهديد كاميرون بالانسحاب من التكتل إن انتخب جان كلود يونكر رئيساً للمفوضية في 16 يوليو. البيان