لاتزال الرؤى العلنية الباحثة عن حل للأزمة المركّبة في العراق تلتف على تشخيص مكوناتها التي تهدد الكيان العراقي. تحصر كل الحلول المطروحة المشكلة في الترتيب البيروقراطي للمناصب، أي تغيير أشخاص هم من مسببي الأزمة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نوري المالكي.
سيجتمع البرلمان بعد تأجيل الجلسات مرات عدة، وستطرح الكتل السياسية مرشحيها، والأرجح أن يتكتل خصوم المالكي لإبعاده في نهاية الأمر، وقد تستغرق هذه العملية شهوراً. لكن ليس من المضمون أن يُكتب لها النجاح في حال لم يكن ذلك نتاج التوافق، لا الديمقراطية. المعارك ستكون مستمرة طيلة هذه الفترة، والانقسامات المذهبية تتعمق.
وإذا نحّينا جانباً مسألة من يرأس الحكومة المقبلة، حينها يمكن تلمس حجم المشكلة: هناك ثلاثة أطراف رئيسية محلية في هذه الأزمة المركّبة، قوة كل منها معتمدة على وجود الآخر بدرجات متفاوتة، هؤلاء هم: زعيم «الدولة الإسلامية» أبوبكر البغدادي ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ونوري المالكي.
جبهة البغدادي
جاء إعلان تنظيم دولة العراق والشام عن «دولة الخلافة» وبيعة البغدادي أميراً في توقيت حرج بالنسبة للتشكيلات المقاتلة ضد قوات المالكي، وتحسباً سريعاً من جماعة البغدادي لإمكانية التقاط مسلحي الفصائل الأخرى المتنوعة أنفاسهم في حال توصلت التركيبة السياسية السنية إلى تسوية في بغداد.
يتخوف مقاتلو «داعش» من تجربة الصحوات السابقة، وتخوفهم هذا يتسبب في مضاعفة شحنة العنف المنفلت الذي يمارسونه ضد من يفترض أنهم في نفس الخندق قتالياً، مثلما هو الحال مع الفصائل السورية المعارضة لنظام بشار الأسد. قريباً، ستضاف جبهة جديدة إلى الحرب التي يشهدها العراق، بين مقاتلي البغدادي والفصائل الرافضة الدخول تحت عباءته.
السيناريو السيئ الذي قد تواجهه هذه الفصائل هو تحولها إلى جسم شبيه بالجيش السوري الحر أمام القوى الراديكالية.
يبقى أن أي حل توافقي في بغداد يعني في الوقت ذاته توجيه بندقية العشائر إلى «داعش». هذه المواجهة حتمية وليست مجرد توقعات. تنتهج داعش الاستفزاز لإبقاء الجاهزية الطائفية مرتفعة لدى الطرفين.
وسيكون وصولها إلى المراقد المقدسة في سامراء يوم سعدها لتفتح باباً لسنوات قادمة من الحرب الشاملة. لكن، مسألة اقتحام بغداد لا تقل عن سيناريو تفجير المراقد في تداعياتها المتوقعة: ستكون حرباً طويلة تحوّل بغداد إلى مدينة هامشية في إدارة العراق أو ما سيتبقى منه.
لحظة الأكراد
في الجانب الآخر، يستعد مسعود بارزاني لتنظيم استفتاء على استقلال كردستان خلال شهور، وسيشمل الاستفتاء الجزء الذي تسيطر عليه قوات البيشمركة من كركوك.
مساعي بارزاني تواجه رفضاً أميركياً، وكانت الرسالة التي نقلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري لبارزاني في أربيل تتمحور حول الرفض القاطع اعتبار الأوضاع التي أعقبت 9 يونيو (سيطرة الأكراد على المناطق المتنازع عليها) غير قابلة للتراجع عنها. رد بارزاني جاء في اليوم التالي حينما زار كركوك وأعلن من هناك أن سيطرة قواته عليها تعتبر نهائية.
كل السيناريو الذي يرسمه بارزاني لإعلان دولة مستقلة، مرتبط مباشرة بفشل العملية السياسية في بغداد. نجاح تشكيل حكومة، وعودة السنة إلى الانخراط في الحكم وفق آلية تقاسم السلطة، ستضع بارزاني أمام تحديات كبيرة قد لا يكون بمقدوره تخطيها إلى إعلان الاستقلال عبر الاستفتاء.
ويبدو أنه مطمئن من هذه الناحية أن الفشل سيكون مصير التوافق الذي يسعى المجتمع الدولي إلى صياغته. نقطة قوته في ذلك أن الوقت فات لعودة العراق من الناحية الأمنية ومساحات السيطرة إلى ما قبل 9 يونيو.
لذا، لا يجد حرجاً في إرسال وفد إلى بغداد للتفاوض حول الحكومة المقبلة، مرضياً بذلك الأميركيين والإيرانيين. وفي أسوأ الأحوال، سيكون دخوله في العملية السياسية مشروطاً بإنهاء المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها مقابل التراجع عن إعلان الاستقلال، لكن من دون التراجع عن الاستفتاء الذي سيستخدم نتيجته ورقة ضغط كبيرة وإضافية أمام بغداد.
المالكي الخاسر
وحده المالكي يبدو خاسراً في جميع الأحوال، لكن تعطل العملية السياسية يبقيه على رأس الحكم والحرب. في حال بقيت الأوضاع على ما هي عليه أمنياً، ستستمر المعارك فترة طويلة من دون حسم سريع. العراق أيضاً أمام حرب شبيهة بما يجري في سوريا من حيث قدرة اللاعبين على البقاء رغم اللجوء إلى أشد درجات العنف.
أفضل سيناريو لأطراف الأزمة هو بقاء المالكي في الحكم. أما في حال التوصل إلى تسوية، فسيكون محتماً خروج المالكي من الحكم، وربما ملاحقته قضائياً.
لكن، ضمن أشد الفرضيات تفاؤلاً، لنفترض أن حكومة تشكلت برئاسة عادل عبدالمهدي. ماذا بإمكان حكومته أن تفعل أمام مساحات فارغة من الإدارة المنظمة تمتد من بغداد إلى كردستان شمالاً وإلى سوريا والأردن غرباً؟
يبدو أن مفهوماً جديداً سيضاف إلى التوصيفات الدولية لمناطق النزاعات، فبدلاً من «الدولة الفاشلة»، سنكون أمام «مناطق فاشلة» ضمن الدولة الناجحة جزئياً. ملامح هذه المنطقة في العراق هي المحصورة بين بغداد وكردستان.
استفتاء
قال رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، إنه يعتزم إجراء استفتاء على الاستقلال خلال أشهر، مشيراً إلى أن العراق مقسم بالفعل. وأضاف أنه في الوقت الذي يؤدي فيه الأكراد دوراً في الحل السياسي للأزمة في البلاد، فإن الاستقلال حقهم الطبيعي.
