باتت متابعة واشنطن لتطورات الأزمة العراقية الراهنة وتداعياتها، متلازمة مع التوقف عند الوضع الكردستاني باعتباره يبدو وكأنه يضع اللمسات الأخيرة في تسويق استقلاله الناجز. وربما قرب إعلانه. لا يكاد يخلو تقرير ميداني أو إخباري أو قراءة تحليلية لأحداث العراق الأخيرة من دون الإشارة إلى أربيل، ليس فقط كدور وقوة وازنة في المعادلة بل أيضاً كخطاب واستعدادات ومحاولات ترويج لانفكاكها عن العراق.
وفي واشنطن تفهّم بل تعاطف ضمني أو صريح مع هذا التوجه. وأحياناً هناك تشجيع له ودعوات إلى تسريع ترجمته على الأرض.
وازداد مثل هذا التعاطف بعد سقوط اربيل وهجمة »داعش« وما أعقب ذلك من تخوفات أميركية من أن يستخدم هذا الفصيل »دولته« في غرب العراق وشرق سوريا، »كمحطة انطلاق لشن هجمات إرهابية على أوروبا وأميركا «، بحسب الاستنتاجات السائدة خصوصاً في أوساط الجمهوريين المحافظين. وبالأخص بعدما قامت البشمركة بالتصدي لقوات »داعش« في كركوك وعلى تخوم كردستان؛ بحيث بدت كطرف مناوئ للتطرف ومن موقع الاقتدار.
معادلة ودعم
لقد أخذ التقارب مع الطموحات الكردية شحنة من الزخم مؤخراً، مع تزايد التعقيد والتنافر في المعادلة العراقية. خاصة في الأعوام الماضية بعد تمادي المالكي في عزل واستعداء الأطراف الأخرى. الجانب الكردي أدرك أن الأمور سائرة باتجاه الانسداد وان الفرصة باتت سانحة اكثر لتخريج وتسويق الانفصال الذي توفرت شروطه برأيها.
لعب ورقة الترويج لمشروعه بعناية. تعمّد التصويب على الساحة الأميركية، خاصة وأنه عرف بأن محاولات أو مناشدات إدارة أوباما لتصحيح نهج المالكي محكومة بالفشل.
الوفود الكردية تتدفق على واشنطن باستمرار. بضاعتها: تعزيز الدعم، على الأقل في أوساط صنّاع الرأي والكونغرس، للتوجه الاستقلالي الكردي.
زيارة وترويج
فؤاد حسين معاون رئيس الإقليم والرجل الثاني لرئيس الإقليم مسعود بارزاني؛ يزور واشنطن مؤخراً بصورة شبه روتينية. قبل حوالي شهرين حضر إليها على رأس وفد. المهمة : ترويج خيار وطموح الاستقلال لدى الدوائر المؤثرة في صناعة الرأي وأوساط الكونغرس.
وهو الآن موجود في واشنطن على رأس وفد لتسويق هذا التوجه الذي أفصح عنه بارزاني اثناء زيارة وزير الخارجية جون كيري كيري إلى أربيل قبل ايام وكرره لاحقاً وعلى اوضح ما يكون في مقابلات إعلامية، انطلاقاً من أن عراق قبل سقوط الموصل انتهى وقام على انقاضه عراق آخر مثلث ومنفصل الأضلاع وبالتالي صار من المفروض التعامل مع هذا الواقع غير القابل للتغيير.
وبالمناسبة نظّمت له »مؤسسة واشنطن لسياسة الشرق الأدنى« في واشنطن ندوة مع زميله فالح مصطفى باكر تحدثا فيها عن حيثيات التعدد الكياني في العراق وبالتالي عن دواعي استقلال إقليم كردستان كأمر واقع لم يعد من الجائز تجاهله.
فما هو قائم على الأرض رسمه »قيام دولة جديدة يحكمها فصيل إرهابي« على انقاض »انهيار 80% من الجيش العراقي وتحوّل بغداد إلى مكان تحكمه الميليشيات في غياب الدولة التي تعطل عمل أجهزتها«، كما قال. وطالب حسين واشنطن بتغيير سياستها بحيث لا تكتفي بالتعامل مع بغداد »بل أيضا بضرورة التعامل المباشر مع أربيل«. يعني الاعتراف أو التحضير للاعتراف بدولة كردستان.
وحدة واستقلال
تتصرف الإدارة الأميركية في العلن مع عراق واحد. لكنها لم تعلن معارضتها بشكل قاطع لأي توجه يهدّد هذه الوحدة. جوابها على احتمال انفصال كردستان أنها ترى »قوة العراق في وحدته«. لم تقل أنها ضدّ هذا التوجه، أو أنها لا تعترف به. هي تستمهل حدوثه. وأجواء عالم الرأي وحتى بعض المرجعيات، تميل نحو الترحيب باستقلال كردستان. ومنها من يحرّض على الانسلاخ والاعتراف به.
رياح الخطاب الأميركي العام تنفخ في شراع سفينته. وسلطات أربيل تدرك ذلك بقدر ما تدرك معطيات الفرصة السانحة والتي تتمثل بتعذر التسوية السياسية بين المكونات العراقية. ولا عجب انها بدأت تتحدث بلغة الاستفتاء القريب للبت باستقلال الإقليم.»إف 16«
أعلنت السفارة الأميركية في بغداد تسليم العراق أكثر من 14 مليون قطعة ذخيرة من الأسلحة المختلفة خلال الأشهر الستة الماضية، مؤكدة ان عدم تسليم طائرات »إف 16« يعود إلى تدهور الوضع الأمني وعدم اختيار قاعدة مخصصة لهذا الشأن.
وقال رئيس مكتب التعاون الأمني في السفارة الأميركية في بغداد الفريق مايكل بدناريد في تصريح لعدد من وسائل الإعلام: »كانت هناك مناقشات حول بقاء قوات قواعد أميركية في العراق العام 2011 ونتيجة المناقشات تم التوصل إلى قرار بعدم إبقاء أيّة قاعدة«.
ولفت بدناريد إلى انه »لم يتم تسليم طائرات أف 16 حتى الآن للعراق على الرغم من أن هناك طائرات جاهزة للتسليم، إلا أن الوضع الأمني وسلامة الفريق الفني الذي يدير الطائرات تعيقان عملية التسليم«، معرباً عن أمله في أن »يتحسن الوضع الأمني في العراق لنتمكن من تسليمها للعراق فضلاً عن ضرورة جهوزية معسكر بلد الذي سيستقبل الطائرات«. البيان..وتشدد على دور الأكراد في الحكومة العراقية
قللت الإدارة الأميركية من أهمية تصريحات القادة الأكراد بشأن إجراء استفتاء حول »تقرير المصير«، معتبرة إياها »غير جديدة«. وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية جنيفر بساكي إن وزير الخارجية جون كيري أكد خلال مكالمة هاتفية مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني على »الدور الرئيسي الذي يلعبه الأكراد في تشكيل الحكومة الجديدة في بغداد«.
وأضافت بساكي: »لقد شجع الوزير كيري الرئيس بارزاني على الضرورة الملحة لمشاركة الأكراد في عملية تشكيل الحكومة، والدور الهام الذي يقوم به الأكراد في المضي قدما بالعملية السياسية«.
وأشارت إلى أن الوزير الأميركي »شدد على أهمية دور الأكراد في لعب دور مساعد لجهود الحكومة المركزية في إدارة الأزمة الأمنية والسياسية الراهنة«.
وأكدت أن »تشكيل حكومة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الحقوق والتطلعات والمخاوف المشروعة لجميع العراقيين، سيسهم في توحيد الشعب العراقي وتخليصه من تهديد تنظيم داعش«.
وعلقت بساكي على تصريحات بارزاني بشأن تنظيم استفتاء لتقرير المصير بالقول إن هذه التصريحات »ليست بجديدة وقد كانت هناك تصريحات مشابهة منذ فترة طويلة تعبر عن الرغبة في كردستان مستقلة. نحن نعتقد أن عراقاً موحداً هو عراق أقوى«، مشيرة إلى أن ما يجب التركيز عليه في الوقت الحالي هو »دفع تهديد داعش الذي يواجهه جميع العراقيين«.
وأشارت إلى أن بلادها »لا تزال تشعر بالقلق حول التهديد الذي يشكله تنظيم داعش على العراق ودول المنطقة على الرغم من التقدم الذي أحرزته القوات العراقية«، مؤكدة أن »هذا هو السبب وراء زيادة مساعدتنا للعراقيين واستمرار العمل معهم بشكل وثيق«.
