22 عاماً تمر على حادثة اغتيال الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف التي مثلت صدمة كبيرة للجزائريين حينها، خصوصاً أن البلاد كانت تمر بأصعب مراحلها، وسط انتشار الفساد والانفلات الأمني، وبدأ ما يعرف بأعوام العشرية السوداء، حيث كانت الجزائر على وشك حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.
وتأتي ذكرى اغتيال بوضياف وسط صمت إعلامي رهيب على القضية، إذ لم يتناول الإعلام الجزائري الحدث لا من قريب ولا من بعيد، وكأن الحادثة صفحة من صفحات كتاب طويت وانتهت، بعد أن مرر النظام رواية أن قاتل الرئيس الراحل هو الملازم في القوات الخاصة الجزائرية آنذاك مبارك بومعرافي، من دون أن يكشف حتى عن الأسباب التي دفعت بالقاتل إلى ارتكاب جريمته، وما إذا كانت دوافع شخصية أم موجهة.
الواقع أن اغتيال بوضياف بات لغزاً قد يستحيل فك رموزه، لتظل حقيقة هذه الجريمة ضائعة بين صفحات التاريخ، فلا أحد من الجزائريين، سواء كان من عامة الشعب أو من المقربين للرئيس الراحل، استطاع أن يبتلع الرواية الرسمية، خصوصاً أن وصول بوضياف إلى سدة الحكم لم يكن برغبته الشخصية، إذ لم يكن يعيش أصلاً على التراب الجزائري، بل تم استدعاؤه بعد استقالة الشاذلي بن جديد، ليعود بوضياف إلى الجزائر بعد غياب دام 30 عاماً عنها، وذلك في 16 يناير 1992، ليتسلم مقاليد الحكم في البلاد.
صمت إعلامي
وشهدت الجزائر العديد من الأحداث أواخر عام 1991 وبدايات عام 1992، إذ أجبر الرئيس بن جديد على تقديم استقالته، وبحث قادة الجيش عن رئيس للبلاد يعمل على إيجاد التوازن فيها، وتم التوافق على شخصية بوضياف الذي تمكن في ظرف وجيز من بث الأمل من جديد في نفوس الجزائريين، غير أن اغتياله بعد ستة أشهر من وصوله إلى سدة الحكم أعاد البلاد إلى الوراء وإلى عتبة المجهول من جديد، لتدخل الجزائر مرحلة جديدة من أصعب المراحل، راح ضحيتها الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من المهجرين.
ويبدو أن صمت الإعلام الرسمي عن هذه المناسبة دفع بجميع وسائل الإعلام الجزائرية إلى عدم الخوض في هذه الذكرى، فقد كانت التقارير شحيحة جداً، وما عدا صحيفة »الوطن« الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية التي استعادت هذه الذكرى تحت عنوان »22 عاماً من الصدمة«، أبرزت فيه التحديات الكبيرة التي حملها الرئيس بوضياف خلال المرحلة الانتقالية من دون الخوض في تفاصيل وملابسات هذه الجريمة.
من قتل بوضياف؟ الذين يعرفون الإجابة عن هذا السؤال رحلوا إلى العالم الآخر، أما من بقي، فالشخص الوحيد الذي يعرف أكثر من رئيس المخابرات هو محمد مدين المعروف باسم الجنرال التوفيق، لكنه لا يتكلم ولن يتكلم أبداً، فهو لغز محير.
من حق الأجيال معرفة الحقيقة؟ ولكن يبقى لغز اغتيال بوضياف خيالاً سينمائياً، برغم أنه حدث فعلاً في أرض المليون ونصف المليون شهيد.
نداء
وجه أصدقاء ورفقاء الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف خلال الحرب التحريرية ضد المستعمر الفرنسي نداء إلى كل الذين أحبوا هذه الشخصية الوطنية، للتوجه اليوم الجمعة صباحاً إلى مقبرة العالية في العاصمة الجزائر، والوقوف دقيقة صمت ترحماً على روح الفقيد، واستذكار ذكرى اغتياله.
