غادر النواب العراقيون بعدما أدوا اليمين الدستورية قاعة الجلسة الافتتاحية الصاخبة لمجلس النواب المنتخب، وتجمعوا أمام مكتب الإدارة لتسجيل أسمائهم وضمان امتيازاتهم النيابية. وتجمهر النواب ووقفوا في صفوف مكتظة أمام المكتب لتسلّم أوراقهم الرسمية قبيل بدء تسلم مستحقاتهم كنواب جدد، والتي تشمل رواتب وأسلحة وأفراد حماية لكل شخص بمعدل 30 حارساً. وقبيل خروجهم من القاعة، شهدت الجلسة الافتتاحية شجاراً عندما طلبت النائبة الكردية نجيبة نجيب التحدث، فدعت رئيس الوزراء إلى «فك الحصار» عن إقليم كردستان الشمالي عبر دفع المستحقات المالية للإقليم من الموازنة العامة والمجمدة منذ أشهر.

وما إن تدخل رئيس الجلسة مهدي الحافظ، النائب الأكبر سناً، ليبلغ النائبة الكردية بأن هذه الجلسة مخصصة لموضوع انتخاب رئيس المجلس ونائبيه فقط، حتى صرخ النائب محمد ناجي المنتمي إلى منظمة «بدر» قائلاً: «تريدون أن نفك الحصار عن داعش؟»، في إشارة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». وانسحب نواب سنّة من الجلسة بعد عبارة ناجي.

تهديدات

ثم تدخّل النائب كاظم الصيادي المنتمي إلى «دولة القانون» بزعامة المالكي ليهاجم رئيس إقليم كردستان، ويضيف: «تصدرون النفط إلى إسرائيل وتنزلون العلم العراقي. سنسحق رؤوسكم، وسنريكم ماذا نفعل بعد انتهاء الأزمة». وأعلن بعدها الحافظ عن استراحة لنصف ساعة.

وعاد إلى القاعة بعد انتهاء الاستراحة 175 نائباً، لتعصف بها فوضى عارمة، حيث قال نواب إن النصاب لم يتحقق، إذ إن عدد النواب الحاضرين أقل من الثلثين، بينما قال نواب آخرون إن النصاب متوافر لأن الجلسة بدأت صباحاً بحضور 255 نائباً.

وأدلى مهدي الحافظ في بداية الجلسة بكلمات هادئة، أكد فيها أهمية استعادة الأمن والاستقرار للبلاد، قائلاً إن العراق أمام تحد كبير «وعلينا أن نعجّل من تشكيل مجلس النواب حتى نتفادى وقوع البلد لأنه عرضة للمخاطر». وقال إن الباب مفتوح لمن يرغب في الترشح لرئاسة مجلس النواب، على اعتبار أن الدستور ينص على انتخاب رئيس البرلمان ونابيه في الجلسة الأولى. لكن سرعان ما تدخل رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي الذي طلب نصف ساعة للتشاور.

تثبيت المصالح

ولم يجر احتكاك بين رئيس الوزراء نوري المالكي والنجيفي، وقد جلسا جنباً إلى جنب. وقال محمد ناجي وهو يرتدي زياً عسكرياً خارج الجلسة: «كان من المفترض ونحن نمر بهذه الظروف العصيبة أن نضع كل خلافتنا وراء ظهرنا، وأن يعطوا انطباعاً أنهم يدافعون عن العراق، وكان حرياً بهم أن يدافعوا عن الجيش وعن الأرض العراقية». وأضاف: «لكن الأكراد أصروا على تسميم الأجواء وتخريب العملية السياسية». وقال موظف في مجلس النواب: «النواب جالسون هنا وهم يصبرون من أجل تثبيت مصالحهم الشخصية ورواتبهم وامتيازاتهم، لكنهم لم يصبروا على الجلوس لمدة ساعة من أجل حل مشاكل البلاد العالقة، وهي بالنتيجة كلها بسببهم».

رئاسة الوزراء

وعقد النواب السنّة مؤتمراً صحافياً بعد انتهاء الجلسة، قال خلاله النجيفي: «نحن نريد رئيس وزراء بديلاً، ونقول: لا بد من سياسة جديدة ورئيس سلطة تنفيذية جديد يؤمن بالشراكة والتوازن وحقوق الشعب، ويتعامل مع الشركاء باحترام كامل».

ورمى النجيفي الكرة في ملعب «التحالف الشيعي» الذي عليه أن يسمي رئيس وزراء، حيث اعتبر أن «الفرصة الآن في تقديم المرشح البديل والبرنامج البديل، وبعد ذلك نحن مستعدون لتقديم مرشح متفق عليه لرئاسة مجلس النواب»، علماً أن الدستور ينص على انتخاب رئيس البرلمان أولاً.

ولدى الخروج من مجلس النواب، تجمع الجنود والحراس حول الصحافيين لاستبيان ما جرى في الداخل وهم يرددون: «هل حلت أزمة البلد؟ وهل اتفق الساسة فيما بينهم؟»، لكنهم بدوا محبطين عندما سمعوا تفاصيل الجلسة. وقال أحدهم: «نحن لا نأمل خيراً من هؤلاء السياسيين الذين لا ينفكون من تقديم مصالحهم الشخصية على مصالح البلاد».

فشل البداية

وهكذا فشل البرلمان في جلسته الأولى في انتخاب رئيس له، وسط فوضى دستورية عارمة وتراشق كلامي حاد، ليستنسخ بذلك الانقسام الذي ظلل عمل البرلمان السابق لأربع سنوات. وقال النائب مهدي الحافظ الذي ترأس الجلسة، بعد تشاوره بشكل علني مع نواب قدّموا تفسيرات متناقضة للدستور: «تعقد جلسة الأسبوع المقبل إذا ما توافرت إمكانية للاتفاق»، مضيفاً أن موعد الجلسة المقبلة سيكون الثامن من يوليو الحالي. وقال الحافظ إن 255 نائباً حضروا الجلسة من بين 328 نائباً، معلناً بذلك تحقق النصاب القانوني وبدء عملية اختيار رئيس المجلس النيابي الجديد.

ضحك عابر للطائفية

 

قبل الدخول إلى الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي، تبادل النواب من جميع الأطراف، شيعة وسنة وأكراداً الأحاديث الجانبية، وارتفعت ضحكاتهم تارة، وهمس الآخر بأذن زميله تارة أخرى قبل أن يضحكا بصوت عال، وكأن الأمور تبدو بأحسن حال. وحتى السفير الإيراني حسن داني فر الذي يتعرض باستمرار إلى انتقادات من النواب السنّة، كان حاضراً واستقبله النواب السنّة، ومن بينهم أسامة النجيفي وصالح المطلك، بحفاوة.

صور

 

على الرغم من حدة الخلاف والصخب، قامت مجموعة من النائبات بالتقاط صور تذكارية تحت قبة البرلمان، بعضها على طريقة «سيلفي». وبدأت الجلسة هادئة، حيث افتتحت بالنشيد الوطني الذي أدته فرقة عراقية، وتبعها تلاوة للقرآن الكريم، ثم وقف النواب لقراءة الفاتحة على أرواح شهداء العراق. واتخذت السلطات العراقية أشد الإجراءات الأمنية حول مقر البرلمان، وأعلنت عطلة رسمية في بغداد، فيما مر الصحافيون في أكثر من عشرة حواجز تفتيش تفصل بين كل منها أمتار قليلة.