«القضاء المصري شامخ، وغير مسموح بالتعليق على أحكامه»، كلمة رددها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أخيراً مواجها جميع الانتقادات التي لاحقت القضاء المصري على خلفية بعض الأحكام التي صدرت بحق مُتهمين في بعض القضايا من بينهم عناصر تنتمي إلى جماعة الإخوان الإرهابية.

وغير أن تلك الكلمة وغيرها من الخطوات العملية للسيسي هي بمثابة ترجمة حقيقية لفكر الرئيس الجديد الذي جاء عقب انتهاء المرحلة الانتقالية التي تلت ثورة 30 يونيو بما يحمل إشادة لهذا الفكر في احترام القضاء وأحكامه كسلطة مستقلة، إلا أنها تحمل في الوقت ذاته إدانة بالغة لتنظيم الإخوان الذي ما انفك يُهاجم القضاء وأحكامه طيلة العام الذي حكموا فيه مصر (خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي)، ولم يتوقف الأمر لديهم حتى عدم احترام أحكام القضاء، إلا أنهم ومن خلال سيطرتهم على أكبر مؤسسة في البلد وهي المؤسسة الرئاسية- يعلنون عدم احترامهم لتلك الأحكام، ومخالفتها أيضا، بل وتبني استراتيجية عبر قانون- للدفع بمشروع قانون لعزل 3500 قاضٍ.

مخالفات وانحرافات

بدأ الرئيس المعزول محمد مرسي عهده بمخالفة صارخة لأحكام القضاء، لما أعلن عن إلغاء حكم سابق أصدرته المحكمة الدستورية العليا بمصر، قاضٍ بحل مجلس الشعب آنذاك في 8 يوليو 2012، وأعاد المجلس للعمل مرة أخرى.

وغير أن المحكمة أكدت أن حكم حل المجلس نهائي وملزم للجميع، وتراجع مرسي بعدها عن قرار الحل، مؤكدا احترامه للدستور والقانون والسلطة القضائية آنذاك، إلا أنه بذلك القرار افتتح سلسلة تجاوزاته ضد السلطة القضائية بمصر، فيؤكد رئيس مجلس الدولة الأسبق محمد حامد الجمل في تصريحات خاصة لـ«البيان» على أن ذلك القرار كان أول انحراف لمرسي ضد القضاء المصري، لتشهد القاهرة طيلة عهده المزيد من الانحرافات وحربا ضروسا شنها الإخوان ضد قضاة مصر، وهو ما دفع إلى حالة «غليان» ليست فقط في صفوف السلك القضائي لكن داخل الشارع المصري كله، الذي يُكن احتراما لقضائه المصري الشامخ والمستقل، الأمر الذي كان من أبرز الأسباب التي دفعت إلى ثورة يونيو.

وفي 19 يوليو، وعقب أيام قليلة من قراره الأول الذي فتح من خلاله سلسلة حروبه ضد القضاء المصري، أصدر مرسي قرارا بالعفو الرئاسي عن 572 سجينا من المدانين بأحكام عسكرية، فضلًا عن قيامته بتخفيف العقوبات عن بعض المسجونين الآخرين.

وفي 22 نوفمبر، كانت واحدة من أكبر الانحرافات التي مثلت تجسيدا واضحا وصريحا لتغول مرسي وجماعته ضد القضاء المصري، إذ أصدر إعلانا دستوريا، وصفه غالبية القانونيون والدستوريين بـ«الباطل»، إذ حصّن فيه قراراته من الطعن أمام القضاء، كما حصّن الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ومجلس الشورى من الحل ولو بحكم قضائي، كما نص القرار على عزل النائب العام آنذاك المستشار عبدالمجيد محمود، رغم أن القانون ينص على عدم جواز عزله من الأساس.

وغير أن مرسي على وقع تظاهرات شعبية هائلة، وعلى وقع أحداث دامية (أحداث الاتحادية، التي يحاكم فيها وأعضاء الجماعة بتهمة قتل المتظاهرين) ألغى الإعلان الدستوري في التاسع من ديسمبر إلا أنه أبقى على آثاره.

سبب مباشر

ولاحقت تلك الخطايا التي ارتكبت ضد القضاء المصري الشامخ والمستقل، مرسي وجماعته، فكانت سببا مباشرا وأصيلا في ثورة المصريين ضده في الثلاثين من يونيو من العام الماضي ليقف في الأخير مرسي وقيادات جماعته داخل «قفص الاتهام» في قضايا عديدة، أمام القضاء المصري الذي حاربوه مرارا وتكرارا وحاولوا أخونته بشتى السبل.

وكانت أولى جلسات محاكمة مرسي وظهوره عقب عزله في الرابع من نوفمبر الماضي أمام محكمة جنايات القاهرة.

«أخونة» القضاء

 

تقول النائبة السابقة لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشارة تهاني الجبالي إن «الرئيس المعزول محمد مرسي عمل على أخونة القضاء، كما حارب القضاء المصري بشتى الطرق، وتجاوز أحاكمه ولم يحترمها، ما كان سببا في ثورة المصريين ضده». ولفتت في السياق ذاته إلى أن تجرؤ مرسي على دولة القانون كان واضحا طيلة العام الذي حكم فيه مصر.