حلّ شهر رمضان المبارك، من دون أن تهلّ تباشير الاستقرار في لبنان. فالأمن لا يزال الهاجس الأول من دون أيّ منازع: حملات المداهمات مستمرّة في أكثر من منطقة، والمضبوطات توحي بحجم المخطّطات التي كانت تُحاك للبنان. أما القلق من تدهور الأوضاع، فجعل الجميع يدقّ ناقوس التحذير، في وقت تبقى الخشية من أن يصبح لبنان جزءاً من مستنقع العنف والإرهاب الضارب من سوريا إلى العراق.
وعلى رغم المشهد الأمني الساخن، فإن المشهد السياسي يطلّ مع بداية الأسبوع على مزيد من الفراغ، في ظل عدم بروز أي مؤشرات تخرق الجمود على محور الاستحقاق الرئاسي. إذ ولليوم الثامن والثلاثين على التوالي، لايزال لبنان من دون رئيس للجمهورية، فيما تُجمع مصادر مراقبة على أن الفراغ قد يطول، إذ لا أفق في القريب لحلّ ينهي خلوّ منصب رئاسة الجمهورية، فيما البلد مقبل على استحقاقات دستورية ـ ميثاقية متداخلة ومعقّدة.
الملفّ الأمني الضاغط
ويبقى الاهتمام منصبّاً حالياً على الأمن وتداعيات المشهد الإقليمي وتغيّراته، إذ لا يزال القلق يساور المعنيّين من استمرار الضاحية الجنوبية لبيروت كهدف محتمل وجدي وقائم للمجموعات الإرهابية، وهو ما أدّى إلى تعزيز التدابير الأمنية على مداخل الضاحية. والإجراءات نفسها تتبع في محيط سجن رومية (شرق بيروت)..
حيث لا تستبعد مراجع أمنية احتمال القيام بعمل إرهابي كبير ضد السجن، تمهيداً لإحداث فوضى عارمة تمكّن الموقوفين الإسلاميين فيه من الفرار. علماً أن الأوضاع الأمنية الاستثنائية دفعت بعض الأحزاب اللبنانية، ولا سيما «حزب الله» وحركة «أمل»، إلى الاعلان عن إلغاء جميع إفطاراتها التي كانت تنوي إقامتها في جميع المناطق اللبنانية، خصوصاً أن الشهر الفضيل يحمل الكثير من المخاوف من احتمالات تزايد الأعمال الإرهابية.
وتردّدت معلومات مفادها أن الجيش، وبواسطة المساعدات الغربية المقرّرة، أنجز أو هو في صدد إنجاز سلسلة من أبراج المراقبة المتطوّرة على الحدود مع سوريا، والممتدة من النهر الكبير شمالاً وصولاً إلى شرق عرسال بقاعاً، على أن تُستكمل هذه المنظومة بإيصالها إلى مزارع شبعا جنوباً.
تحرك سياسي
وعلى إيقاع الملف الأمني الضاغط، وبحسب المصادر المتابعة، بدأ الملف الرئاسي يتحرّك، في إطار السعي لإعادة الأمور الى نصابها الدستوري، على مستوى جميع المؤسسات، وذلك مخافة أن يؤدي استمرار الفراغ الرئاسي الى مضاعفة التحديات الأمنية. ولفتت المصادر الى «دينامية دولية» جديدة في التعامل مع الاستحقاق الرئاسي، وهو الأمر الذي ستظهر نتائجه في شهر يوليو المقبل، على مستوى بعض العواصم المؤثرة في الملف اللبناني.
وبرزت أخيرا بدايات تحرّك غربي في اتجاه حلحلة الأزمة الرئاسية. والمعالم الأولى للتحرّك تمثلت باللقاء الذي جمع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ديريك بلامبلي برئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون. كما تردّدت معلومات مفادها أن موفداً بابوياً قد يزور لبنان، الأسبوع المقبل، للدفع في اتجاه إجراء الانتخابات وإنهاء الفراغ.
الوضع الحكومي
وانتقلت صلاحيات رئيس الجمهورية، بعد شغور المنصب، الى حكومة الرئيس تمام سلام، بالاستناد الى المادة 62 من الدستور. وكانت الحكومة رفعت، في جلستها الأخيرة يوم الخميس الماضي، شعار «التوافق» عنواناً ثابتاً وحصرياً لعملها، لا سيما في زمن الشغور الرئاسي، كمؤشر أساسي لطبيعة الردّ الحكومي السياسي على مرحلة تنذر بتصاعد التحديات الأمنية في ظل الاستهداف الإرهابي الأخير.
وفي الشأن الحكومي، عبّرت مصادر مطلعة لـ«البيان» عن أملها في أن تعطي الانطلاقة المتجدّدة للحكومة، بعد فترة جمود دامت نحو أربعة أسابيع، دفعاً ونشاطاً في عجلة العمل الحكومي، مع إشارتها الى «أن الحكومة لا تعمل وكأنّها باقية للأبد، فانتخاب رئيس جمهورية جديد هو في يد القوى السياسية ومجلس النواب».
المهل الدستورية
عادت الانتخابات النيابية الى الواجهة، من بوّابة كون المهل الدستورية المتّصلة بهذه الانتخابات بدأت تطرق الأبواب، ذلك أن الولاية الممدّدة للمجلس الحالي (لسنة وخمسة أشهر) تنتهي في 20 نوفمبر المقبل، الأمر الذي يضع القوى السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما: «التمديد مجدّداً لمجلس النواب أو إتمام الانتخابات النيابية». في المقابل، أكدت مصادر سياسية مواكبة لـ«البيان» أن كل كلام في هذه المرحلة عن قوانين انتخابية أو غيرها من القضايا يأتي خارج السياق، خصوصاً وأن الأولوية هي للانتخابات الرئاسية.