تتقاطع كل المؤشرات حتى الآن، عند نقطة يبدو أن المعنيين بالأزمة العراقية تلاقوا عليها: إطلاق عملية تشكيل حكومة عراقية شاملة برئاسة غير نوري المالكي. بعد أسبوع من الدبلوماسية الأميركية المكثفة مع صنّاع القرار في المنطقة، وبعد تحوّل ملحوظ في سياسة إدارة الرئيس باراك أوباما بخصوص تسليح المعارضة السورية.
كما بخصوص العودة شبه العسكرية ولو الرمزية إلى العراق، تبدو الصورة من واشنطن وكأن الأمور وضعت في هذا الاتجاه، على قاعدة فك دعم العشائر السنية العراقية لتنظيم «داعش» بمساعدة خليجية، تعزيز قدرات القوات العراقية لمواجهة هذا الفصيل، تسليح وتمكين الجيش السوري الحرّ، توظيف تعاون إيراني في تركيب حكومة عراقية جديدة ولجم الاندفاع الكردي نحو الاستقلال.
هل يقوم هذا البناء ويبقى على تماسكه للخروج من النفق الذي يهدد العراق والمنطقة؟
حكومة متوازنة
في ضوء الخلفية والتطورات الأخيرة، يستبعد المراقبون جمع هذه العناصر المتنافرة، بما يكفل إعادة الُّلحمة إلى الوضع العراقي، أو حتى وضعه على مثل هذه السكّة، مع أن هناك مستجدات تعزّز إمكانية تشكيل حكومة عراقية متوازنة لا يكون المالكي على رأسها، منها موقف المرجعية الشيعية المطالب بحكومة شاملة لمكونات العراق، مع ما يشكله ذلك من سحب البساط من تحت رئيس الحكومة. يصبّ في هذا المجرى، ما تردد في الأيام الأخيرة في واشنطن عن حصول جدل في طهران حول مدى صوابية الاحتضان الإيراني الزائد للمالكي.
وجرى تمرير كلام منسوب إلى مصادر إيرانية، يفيد بأن الرجل «الذي لا يحظى بتعاطف الرئيس روحاني» يأتي في الدرجة الثانية في الحسابات الإيرانية العليا، خاصة أن صفقة النووي قد تكون على الأبواب، وفق الاعتقاد الراجح في واشنطن. تلميحات تشي بأن التخلي عنه مسألة واردة، طالما أن «المصلحة الإيرانية محفوظة» في التركيبة الجديدة.
لكن المسألة أبعد من رئيس الحكومة، فهو عمّق الواقع المشروخ الذي أدت إليه عوامل داخلية وخارجية صار العراق في قبضتها، كما يكاد يجمع عليه المراقبون في واشنطن. فالغزو الأميركي أدى إلى «تدمير مشروع الدولة العراقية»، كما يقول زبغنيو بريجنسكي، ثم إن ما يجري في العراق «صراع ديني»، على الولايات المتحدة «الابتعاد عنه». كثير من هذه الدعوات الأميركية تكرر في الآونة في الآونة الأخيرة.
«لنحمي مصالحنا ونساعد حلفاءنا فقط»، ونترك العراق لواقعه المجزأ على الأرض، يقول ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، أحد أبرز مراكز الدراسات والأبحاث في أميركا، بل هناك من حث الإدارة على الاعتراف بكردستان «دولةً شرعيةً» في المنطقة.
خطاب يفيد أن العراق ميؤوس منه. وطغى على مجمل المداولات المتعلقة بأزمته في الآونة الأخيرة. وإذا كان هناك من يدعو الإدارة إلى اتخاذ موقف أقوى، فذلك ليس لحماية وحدة العراق، بل لدرء خطر «داعش» وللحدّ من نفوذ إيران في العراق.
همّ الإدارة
لكن للسياسة حساباتها، فمثل هذا النفوذ لا تعترف به واشنطن فقط، بل تتعاون معه للتعامل مع الأزمة العراقية، بالأحرى لإدارتها لا أكثر، فالإدارة يهمها محاصرة «داعش»، وصحوتها على تسليح المعارضة السورية «التي تجتاز الفحوص»، جاءت في هذا السياق.
صحيح أن الرئيس سبق أن أعلن أخيراً عن عزمه على دعمها، لكن بنحو 200 مليون دولار. دخول «داعش» على الخط رفع الدعم إلى 500 مليون، وبأسلحة نوعية فرضها وجوب تصدي الجيش الحرّ لهذه الجماعة. أما الأزمة مع النظام السوري، «فلا حل عسكري لها»، حسبما قال البيت الأبيض، لحظة إحالة مشروع الدعم إلى الكونغرس.
«داعش» هي المشكلة في واشنطن، لا العراق ولا سوريا، فهذه وتلك لا يزيد الاهتمام بها ما يتعدى التطورات الأخيرة ومواجهة ما يتصل منها بالمصالح الأمنية الأميركية، وإلا لجرى التعامل معها منذ زمن، بمثل هذا الثقل الدبلوماسي الذي تمثل بجولة كيري التي رافقها التلويح بالعصا، ولو في نهايتها.