في الوقت الذي يستعد الائتلاف الوطني السوري لترتيب بيته الداخلي، بغرض خروج بحلة جديدة، تطوي صفحة الانتكاسات الماضية، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي بارك أوباما في مقابلة تلفزيونية مع شبكة «سي.بي.إس» الإخبارية الأميركية لتقطع بارقة الأمل في إنعاش هذا الجسم مع هيكلته العسكرية المعتدلة، إذ شدد أوباما بوضوح تام على أن فكرة وجود قوة سورية معتدلة جاهزة لهزيمة الرئيس بشار الأسد ليست صحيحة، وهي ضرب من الخيال.

وقد فجّر هذا التحول النوعي الذي خرج على لسان الرئيس الأميركي سيلاً من الاتهامات المتبادلة بين قوى المعارضة السورية بأطيافها المتعددة، حيث اعتبر الائتلاف الوطني والمجلس الوطني السوريان أن الإدارة الأميركية تنصلت من التزاماتها الدولية والأخلاقية، وهي من أسهمت في تقزيم المعارضة، وتحجيم دورها عمداً لصالح القوات النظامية والمجموعات الجهادية، وذلك نتيجة صمتها المريب وسياستها الانكفائية التي ميّزت سلوك الإدارة الأميركية حيال الملف السوري، على حد تعبيرهما.

وكتب المعارض السوري برهان غليون، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تحت عنوان: «باراك قلب الأسد»، في إشارة صريحة إلى ما اعتبر أنه «تواطؤ» أميركي مع صالح الأسد، متسائلاً: «إذا كان دعم المعارضة السورية ليس ناجعاً، والحل التفاوضي قد انتهى، والأمم المتحدة معطلة بسبب الفيتو الروسي والصيني، هل يستطيع الرئيس الأميركي أن يقول لنا في هذه الحالة ما الحل؟ من سيهزم الأسد ويوقف النزيف، ويملأ الفراغ الذي تحتله اليوم داعش، كما يقول».

استهلاك المعارضة

في المقابل، حمّلت أطياف واسعة من المعارضة السورية الائتلاف الوطني مسؤولية تراجع الموقف الأميركي، واعتبروا أن المعارضة بشقيها السياسي والعسكري قد اُستهلكت تماماً، ولم تعد قادرة على تأدية الخدمات، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية تنفض يدها من هذه المعارضة، وهي في حل منها، وذلك على قاعدة أنها «لا تقف مع الضعفاء».

ويعتقد الناشط السياسي جواد الأسود، أن أوباما لم يخطئ عندما أعطى للمعارضة السورية وصفاً دقيقاً بأنها معارضة معتدلة لا يمكنها إسقاط بشار الأسد، قائلاً: «كان الرجل مهذباً، ولم يقل ما كان يرغب أن يقوله بأنها معارضة هزيلة لا يمكن لها أن تفعل شيئاً».

نفوذ داعش

وجاء موقف الرئيس الأميركي بعد تزايد قوة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» «داعش» على المستويين السياسي والنفسي، عقب تحقيق انتصارات متتالية في العراق وسوريا، وإحراز إنجازات تنظيمية ولوجستية، بحيث سيتم تعزيز صورة التنظيم باعتباره قوة لا تقهر، علاوة على استثماره الأموال الطائلة التي استولى عليها من المصارف العراقية، بهدف تعزيز قدرة التنظيم على بناء قواته وتسليحها، وممارسة الحكم وتوفير السلع والخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرته.

 

فوضى عارمة

يشير الكاتب السوري هوشنك بروكا إلى أن موقف الرئيس الأميركي أوباما من المعارضة السورية «المعتدلة» في هذا الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحوّلات دراماتيكية، خصوصاً بعد تمدد «داعش» في العراق ومحوه للحدود الدولية بين سوريا والعراق، يعتبر «إشارة واضحة إلى بداية تفجير خرائط سايكس- بيكو، التي رسمت قبل نحو قرنٍ من الزمن». ويضيف بروكا: «وهو ما يفسر أنّ المنطقة ذاهبة إلى فوضى عارمة، ولن تكون على الأغلب فوضى خلاّقة، كما نظّر لها بعض الاستراتيجيين الأميركيين في العقدين الأخيرين». البيان