تُقتل طالبة سعودية في أحد شوارع مقاطعة كولشستر البريطانية، فتأتي صرخات للمطالبة بالانتقام من قواعد «داعش» في العراق وسوريا.

يشتد القتال على جبهات حلب والموصل، فتستنفر أجهزة الأمن والشرطة في أنحاء المملكة المتحدة.. هكذا باتت العلاقة ملتهبة بين ما يجري في شوارع أكثر من مدينة عربية من قتال مسلح مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، وبين ما يسمع في ردهات المؤسسات السياسية والأمنية والإعلامية البريطانية من أصداء تحذيرات لا تخفي خشية من إعادة تصدير «الإرهاب» إلى شوارع لندن ومانشستر، وغيرهما من المدن البريطانية.

ولم يعد المستوى السياسي البريطاني قادراً على «دفن الرأس في الرمال»، وغض الطرف عن الخطر الداهم القادم من الشرق الأوسط، مع وجود أكثر من 500 «جهادي» بريطاني قد يعودون الى بريطانيا مسلحين بأفكار متطرفة ومناهضة لكل القيم الغربية.

وعبّر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في أكثر من مقال ومناسبة أن المتطرفين المسلحين في سوريا والعراق باتوا يشكلون تهديداً حقيقياً للأمن البريطاني، وأن «المعركة مع الجهاديين» العائدين من الشرق الأوسط إلى بريطانيا باتت صعبة، وأن تنامي القوة المسلحة للتنظيمات المتطرفة وخاصة «داعش» بات يشكل التهديد الحقيقي الأكثر جدية الذي تواجهه بريطانيا اليوم.

استنفار أمني

أما أجهزة الأمن البريطانية، فاستنفرت عدتها وعديدها في العالمين الحقيقي والافتراضي، لتعقب كل ما يصدر عن «داعش» وأعوانها من تصريحات أو أشرطة مصورة تبث على شبكة الإنترنت.

وقد أبلغ وزير الدولة لشؤون الأمن جيمس بروكنشير أعضاء البرلمان البريطاني بشكل واضح أن الإرهاب المرتبط بالحرب الأهلية في سوريا سيشكل «خطراً على المملكة المتحدة في المستقبل المنظور»، وهو ما أكدته مساعد مفوض قوات مكافحة الإرهاب كريسيدا ديك، التي كشفت أن قوات الشرطة في حالة تأهب لمواجهة المؤامرات الإرهابية الموجهة أو المستوحاة من تنظيم «داعش».

إجراءات وقائية

وبالنظر إلى ما تتخذه بريطانيا من إجراءات وقائية لتفادي تحولها إلى ساحة «جهاد» للجماعات، المتطرفة نجد أن الحكومة البريطانية ومختلف أجهزتها وأدواتها التنفيذية باشرت باتخاذ خطوات تتراوح بين جهود القضاء على تنامي التطرف بين البريطانيين المسلمين في مراحله المبكرة، وصولاً إلى الإجراءات الأمنية الأكثر تعقيداً، وإصدار تشريعات بهدف التضييق على مصادر الإرهاب وتجفيف منابعه البشرية والمالية.

كاميرون أكد أن بلاده ستتخذ كل ما يلزم من إجراءات لحماية مواطنيها، بما في ذلك «منع تدفق الشباب البريطاني المسلم إلى جبهات القتال، واعتقال العائدين من هناك، وتركيز الجهود الأمنية على جمع المعلومات اللازمة حول كل ما يجري في تلك المنطقة».

وقال كاميرون إن أجهزة الشرطة والأمن أُعطيت أوامر واضحة لتركيز جهودها على المقاتلين المتشددين، خاصة أولئك الذين يعودون إلى المملكة المتحدة بعد المشاركة في القتال في سوريا والعراق.

وفي مجال السيطرة على العالم الافتراضي الذي باتت الجماعات المتطرفة تحسن توظيفه في حربها الدعائية، دعت ديك السياسيين والمشرعين البريطانيين إلى منح الشرطة الصلاحيات اللازمة لمحاربة الإرهاب، وخاصة لجهة تعديل القوانين الخاصة بجمع البيانات من وسائل الاتصالات الحديثة مثل برنامج «سكايب»، لأن ترك قنوات الاتصال هذه دون مراقبة يقوض جهود الأجهزة لاعتراض وإحباط أي مؤامرات إرهابية، حسب رأيها.

حظر تنظيمات

وبالتزامن مع ذلك، وافق النواب البريطاني على حظر خمسة تنظيمات تنشط في سوريا، من بينها تنظيم «داعش» الذي انتقل إلى الهجوم في العراق.

والتنظيمات الأخرى المحظورة هي كتيبة الكوثر، وكتائب عبد الله عزام وفرعها كتائب زياد الجراح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، وهي فصيل فلسطيني موالٍ للنظام السوري، وحزب جبهة تحرير الشعب الثورية التركية.

أما على مستوى تجفيف منابع الإرهاب، فأعلنت وزارة التربية البريطانية أن الحكومة البريطانية أرسلت محققين إلى 15 مدرسة في مدينة بيرمنغهام وسط بريطانيا يشتبه بأنها باتت تحت سيطرة متطرفين. كما أكد رئيس اللجنة المشرفة على عمل الجمعيات الخيرية في بريطانيا وليام شوكروس أن لجنته اتخذت إجراءات ضد الجمعيات الخيرية التي يديرها متطرفون وتُرسل المال إلى سوريا.

وأكد شوكروس أنه طلب من رئيس الوزراء البريطاني «اتخاذ تدابير لمنع المتطرفين المتورطين بالإرهاب من إنشاء جمعيات خيرية».مهمة مستحيلة

تمثّل الإجراءات المتعاقبة، وعلى أكثر من صعيد، ترجمة عملية لنداءات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي اعتبر أن الحكومة والمجتمع بشكل عام مدعوان أكثر من أي وقت مضى لمواجهة التطرف بكافة أشكاله، سواء في المجتمعات أو المدارس أو السجون أو المراكز الإسلامية أو الجامعات. ولكن يبقى السؤال: هل ستنجح الحكومة البريطانية في مهمتها، أم أن الوقت قد فات؟ وكما يقول جوناثان أوين، في صحيفة «ذي إندبندنت»، فإن المهمة التي تواجه أجهزة المخابرات البريطانية في تعقب المئات من المقاتلين العائدين من القتال في سوريا والعراق «مستحيلة». البيان