اعتادت المعارضات في البلاد العربية أن تعيش في الخارج، وأن تناضل في الخارج، بسبب الممارسات غير الطبيعية، التي تقوم بها الحكومات تجاهها، وقد جربت الجزائر ذلك في 1992بلقاء «روما»، والمعروف بلقاء «سانت إيجيديو»، الذي كان أرضية ملائمة للخروج من الأزمة السياسية الخانقة، التي أعقبت وقف المسار الانتخابي في عام 1992، لكن انعقاد مؤتمر للمعارضة في الجزائر لبحث أرضية مشتركة ومتوافق لتغيير النظام الحاكم في البلاد بكل سلمي يعد إنجازاً تاريخياً في عهد الرئيس بوتفليقة، اعتبرها البعض محطة نحو عبور الجزائر إلى المسار الديمقراطي الصحيح.
فاجتماع «التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي»، الذي جمع قيادات من جبهة الإنقاذ المحلة، وأربعة من رؤساء الحكومات السابقين حمروش، وسيفي، وبن بيتور، وبن فليس، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحركة حمس، وحركة النهضة، وحزب جيل جديد، وشخصيات أخرى، تجتمع في محفل واحد لأول مرة للحوار حول بديل ديمقراطي يتبناه الجميع، ويلتزم به ويسهر على تنفيذه.
مبادرة في العلن
وفي جميع الأحوال فإن المبادرة في العلن أفضل من الاجتماع في السر، ولعل السلطات أرادت أن تستدرك خطأ قديماً وقع في التسعينيات عندما سدت الأبواب في وجه المعارضة فما كان منها، سوى أن توجهت إلى روما حيث عقدت ندوة «سانت إيجيديو» الشهيرة.
وتتذكر المعارضة ذاك السيل العظيم من الانتقادات التي وجهت إلى المعارضين، الذين اجتمعوا في روما، وذهبت الانتقادات إلى حد التشكيك في وطنية تلك الشخصيات، التي شاركت في سانت إيجديو، واعتبرهم البعض أنهم متآمرون على الوطن، بل تعدت التهم حدها بوصفهم بالعمالة.
ورغم أنه في الحقيقة لم تكلل ندوة روما بالنجاح، فإن المعارضة وقتها لم تجد أبواباً تطرقها غير أبواب الغرب. واليوم فإن الجماعة، التي تغيرت وجوهها وانضم إليها آخرون لم يريدوا أن يعودوا للخطأ نفسه، فالجزائر أولي بأهلها وأولادها.
فشل متكرر
مبدئياً المعارضة فشلت في أكثر من مرة في كسب تعاطف الرأي العام، بينما امتلكت السلطة كل وسائل التعبئة الإعلامية والشعبية، وهذا ما يعتبر فارقاً بين الطرفين أو المعسكرين، وربما مسألة الاستفتاء الدستوري تختلف نوعاً ما عن بقية الاستحقاقات التي تسهل من عملية التعبئة.
السلطة منشغلة هي الأخرى بعرسها الذي افتقد هذه المرة للتفاعل الشعبي في الشارع الجزائري الذي بدا وكأنه غير معني بأمر تعديل الدستور. هذه اللامبالاة قد تدفع بالسلطة إلى التفكير بجدية في طريقة اعتماد التعديلات الدستورية، وفق سياسة جديدة تكون بالانفتاح على المعارضة وعدم تضييق الخناق عنها، بما يفسح المجال أمام بسط تغييرات من دون أن تلقى فيها سخطاً شعبياً.
فهو ما يعني أنها ليست في موقف المنتصر القوي، الذي يفرض شروطه ويحتكم في يده على كل قواعد اللعبة، وهذا الوضع الهش خصوصاً بالنظر إلى التحديات الخطرة المحيطة بالجوار، يدفع السلطة إلى مد يدها لخصومها لتقوية الجبهة الداخلية بـ«توافق حقيقي»، إن كانت طبعاً تريد حماية الدولة من الانهيار، وليس الكرسي.
عدم تضييع الفرصة
فالسلطة ترى في المشاورات حول الدستور الفرصة التي لا يجب تضييعها من قبل المعارضة، بعدما رفضت السلطة كل حديث عن المرحلة الانتقالية أو حل البرلمان، لكن المعارضة التي نجحت في تدشين أكبر تجمع لها منذ بداية التعددية، تريد الرمي بكل ثقلها لتعديل قواعد اللعبة السياسية وتحقيق «الانتقال الديمقراطي» فهي تقول، إن الكرة في مرمى المعارضة، وهذه الأخيرة ترى بعد نجاح ندوتها أن الكرة في مرمى السلطة.
فشل في فك العزلة
اعتبر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن المشاورات السياسية حول مشروع تعديل الدستور في الجزائر أكدت فشل النظام في فك العزلة عن نفسه.
وأوضحت الأمانة الوطنية للحزب في بيان أعقب اجتماعاً خصص لتقييم الوضع السياسي في البلاد أن «المشاورات السياسية حول الدستور أكدت فشل النظام في فك العزلة والخناق عن نفسه، من خلال رفضه العديد من المشاركين في المشاورات تعديل الدستور وأن يأخذ حضورهم هذا تزكية لمسعى السلطة».
وقال بيان الحزب إنه «حتى أولئك الذين استجابوا لدعوة السلطة أعلنوا أن مشاركتهم ليست تزكية لهذه العملية»، ويتعلق الأمر بحزب جبهة القوى الاشتراكية.