في خضم التصعيد الإسرائيلي المبطن ضد الفلسطينيين بالأراضي المحتلة وداخل المعتقلات، جاءت حادثة اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين في الخليل لتقدم لسطات الاحتلال ذريعة، مقبولة إعلامياً ودولياً من وجهة نظرها، لشن عدوان عسكري وسياسي وربما اقتصادي ضد الفلسطينيين، كانت قد لوحت به مراراً وتكراراً في السابق في انتظار اللحظة المناسبة لتنفيذه.

خبر اختفاء المستوطنين الثلاثة كان كغيره من الأخبار التي ترد على وكالات الأنباء، لاسيما الفلسطينية، إذ ان تلك الحوادث تتكرر بشكل غير لافت، حيث يدخل المستوطنون أراضي تحت السيطرة الفلسطينية عن طريق الخطأ أو بغرض الاستفزاز، وتقوم قوى الأمن الفلسطيني بتسليمهم إلى إسرائيل.

هاجس شاليط

العملية النوعية، إن صدقت فرضية الاختطاف أو الأسر، لم تتبناها أي من فصائل المقاومة الفلسطينية، مع تسريب بعض شائعات خرافية عن علاقة تنظيم «داعش» بالمسألة، بشكل يعطي «شرعية» للاحتلال لتوسيع عدوانه ويقلل من قدسية المقاومة الفلسطينية.

ولكن بغض النظر عن الجهة المنفذة، تبقى تفاصيل تلك العملية غامضة، وربما يمتد ذلك لأسابيع مثلما كانت عملية أسر الجندي جلعاد شاليط، التي تعتبر الأنجح في تاريخ المقاومة الفلسطينية، واستمرت بتكتم تام إلى حين إطلاق سراحه في صفقة تبادل كبيرة، بعد خمسة أعوام فشلت إسرائيل بترسانتها العسكرية الضخمة وعملياتها العسكرية المتكررة ضد قطاع غزة في تحديد مكان جندها المفقود.

عملية تحت الرادار

14 محاولة اختطاف، حسب مصادر إسرائيلية، منذ بداية العام الجاري، و50 محاولة في العام المنصرم، جعلت وزير الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون يقول: هذه المرة حصلت العملية «تحت الرادار»، إذ إنها تمت في المنطقة ج الخاضعة تماماً للسيطرة الإسرائيلية.

ورغم التحذيرات الصارمة للجنود والمستوطنين على حد سواء، يبدو أن هؤلاء الثلاثة وقعوا في فخ لم ينفذه هواة، بل محترفون خططوا له طويلا لتنفيذ عملية لها أهمية إستراتيجية ليس لجهة عدد المستوطنين، وهو الأكبر منذ انطلاق شرارة الثورة الفلسطينية، بل لجهة توقيتها الذي ضاعف تأثيرها كونها تتزامن مع إضراب تاريخي عن الطعام يخوضه المعتقلون الإداريون في سجون الاحتلال.

مفاوضات معقدة

وفي حال الإعلان رسمياً عن عملية الاختطاف، وإلى حين بدء مفاوضات تبادل ممتدة ومعقدة كما هو متوقع، يستبعد مراقبون استسلام إسرائيل بسهولة إلى الأمر الواقع، وعقد صفقة في الضفة، مرجحين مواصلة حملات البحث والتفتيش والاعتقالات واسعة النطاق التي تشنها في الأراضي المحتلة، وإطلاق عملية عسكرية انتقامية في غزة وربما الضفة.

إسرائيل، المعزولة دولياً بسبب سياساتها العدوانية وانتهاكاتها، قد تجد في ذلك مبررا أو ذريعة لشن عدوان واسع يعيد خلط الأوراق. ولكن اللافت أنها ركزت تهديداتها على قطاع غزة، رغم اختفاء المستوطنين في الضفة، واللافت أيضاً أنها كررت تصريحاتها النارية تلك منذ توقيع اتفاق الشاطئ بين حركتي «فتح» و«حماس» وإعلان الحكومة الفلسطينية، في ظل تجميد مسبق من طرفها لمفاوضات التسوية التي انتهت مهلتها بانسحاب أميركي مبطن وخجول من رعايتها، وفشل تام في الخروج بنتائج تذكر.

تغول استيطاني

 

فيما تتذرع إسرائيل باختفاء المستوطنين الثلاثة لمواصلة حملاتها العسكرية ضد الفلسطينيين، فهي لم تغفل استغلال الموقف لإقرار بناء 172 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة جبل أبوغنيم في الشطر الشرقي من مدينة القدس المحتلة، والتي تشكّل عقبة حقيقية أمام التوصل الى اتفاقية سلام، والتي أيضاً تضع إسرائيل أمام موجة إدانة من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية وكذلك الجانب الفلسطيني على كل بناء استيطاني في هذه المستوطنة، التي لا تعتبر من التجمعات الاستيطانية الرئيسية التي يجري الحديث عن تبادل أراضٍ، وتعتبر الأرض المقامة عليها جزءاً من الدولة الفلسطينية.