منظوراً إليه من واشنطن، يبدو الوضع العراقي وكأنه دخل مرحلة استكمال ترسيخ الأمر الواقع القائم على الأرض وأن ما يجري من تحركات ومناورات واتصالات، تدور عملياً في إطار إدارة هذا التحوّل لأن الانقلاب على مسيرته متعذر. هذا ما تقوله القراءات الأميركية وما يعزّزه غموض وتردّد إدارة الرئيس باراك أوباما في تعاملها مع الأزمة التي صارت أبعد من «داعش». باتت مسألة تعذر التعايش بين الثلاثي العراقي المحكوم باستمرار التقاتل بين عناصره ولو انسلخت عن بعضها.
الحديث في واشنطن عن انهيار الحدود ونهاية سايكس بيكو ودولة «داعش» بين غرب العراق وشرق سوريا، صار وجبة يومية في القراءات والتوقعات الأميركية. ومحاولات «جمع الأجزاء صارت متعذرة في المستقبل المنظور»، على ما يقول أحد كبار المعلقين المختص بشؤون المنطقة والمطلع على مطبخ القرارات المتعلقة بها.
خيارات متذبذبة
واشنطن لا تقوى على منع تفككه إلا باحتلال آخر. وهذا غير وارد. خياراتها الأخرى بقيت متذبذبة وحتى الآن حبراً على ورق. لوّحت «بقصف جوي» لوقف ورد هجوم داعش. تراجعت عنه بزعم عدم توفر الشروط التقنية، مثل المخابرات العاملة على الأرض لتوجيه الطلعات الجوية نحو مواقع «داعش». كما بزعم أنه مشكوك بنتائجه . اشترطت كما قالت، على المالكي التخلي عن نهج الاستئثار مقابل مدّه بالعون العسكري. رفض. وحتى لو أراد، تمنعه إيران ، على ما يقول الأميركيون. استدارت ولا تزال نحو التعاون مع إيران. اصطدمت بعدم تخلّي طهران عن المالكي، كما بالمحاذير الإقليمية. كلمة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية كانت واضحة في هذا الخصوص. كما كان هذا الموضوع حاضراً بلا شك، في لقاء وزير الخارجية جون كيري في مكتبه بالسفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير. كما استوقف المراقبين خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني حول التدخل بزعم حماية المقدسات.
لقاءات الكونغرس
الرئيس أوباما الذي يعقد اجتماعات يومية لمجلس الأمن القومي، التقى امس بقيادات الكونغرس من الحزبين ووضعهم في الصورة. بعد خروجهم أدلوا بتصريحات تنمّ عن تفهّم لتعامل الإدارة مع الأزمة. الأرجح أنه أطلعهم على حيثيات التعاون مع إيران ولو أنها لم تثمر حتى الآن. لكن المحاولات ما زالت جارية. وفي ضوء تعثر البدائل الأخرى، يرجّح المراقبون حصول تفاهم ما مع طهران «لأن الإدارة خياراتها محدودة ». جرّبت آخرها بعد ظهر امس من خلال مكالمة هاتفية بين نائب الرئيس جو بايدن ونوري المالكي. ما تردد بشأنه أن بايدن وعد الجانب العراقي بتلية طلبه حول تدخل الطيران الأميركي لضرب قوات «داعش» بشرط تشكيل حكومة ائتلاف وطني تضم كافة القوى وإشراك الطرف السنّي فيها. لا إشارة في واشنطن تدل على تجاوب المالكي، أو على قدرته على التجاوب. وبذلك عاد الحديث إلى الدوران في الخيارات الأخرى ومنها الإيراني.
العقدة المستعصية
المالكي صار العقدة المستعصية. أو هكذا يجري تصوير الوضع. في حين أن المشكلة في النهج أولاً ثم في الشخص. فقد يؤتى بشخصية أخرى لرئاسة الحكومة ولا تحلّ الأزمة إذا ما بقي اسير المعادلة ذاتها. وواشنطن تدعم مثل هذا التغيير الملتبس. فهي تحرص على الخطوط المفتوحة مع طهران. خاصة وأن هذه الأخيرة تبدي ما يفيد بأنها جاهزة لاتفاق نووي قبل استحقاق الموعد في العشرين من الشهر المقبل، على ما أشار وزير الخارجية محمد جواد ظريف في مقالته يوم الأحد الماضي في جريدة «واشنطن بوست». وإذا حصل شيء من هذا النوع، من المتوقع أن يتشبث الجانب الإيراني أكثر بسياسته العراقية. ومن غير مجازفة يمكن القول أن واشنطن عندئذ ستكون أكثر استعداداً لتفهّم هذا التشبث.