كشفت مصادر سورية قريبة من المعارضة السياسية والكتائب المقاتلة في تصريحات خاصة لـ«البيان» عن أن الانسحاب المفاجئ لمقاتلي المعارضة السورية من مدينة كسب، أقصى شمالي محافظة اللاذقية، تم بناء على صفقة بين طرفين إقليميين معنيين بالصراع الدائر في سورية بدأت في حمص، ينسحب بموجبها المقاتلون المعارضون من كسب مقابل إفراج النظام عن آلاف المعتقلين لديه، ضمن خطة كبرى وضعتها إيران لتصفية الثورة السورية خلال عامين، غير أن التطورات الأخيرة في العراق، حسب المصادر، وضعت هذه الخطة موضع الشك في إمكانية تطبيقها.
وأكدت المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن الصفقة الحالية تعد امتداداً للصفقة الخرى التي عقدت حول مدينة حمص قبل أسابيع، والتي أفضت إلى انسحاب المقاتلين المحاصرين من مدينة حمص القديمة مقابل تأمين سلامتهم، لافتة إلى أن «صفقة كسب»، كان من المفروض أن تتم مع الانتخابات التي نظمها رئيس النظام السوري، غير أن اعتراض إحدى الفصائل المؤثرة أخّر العملية.
عمليات تفاوض
وذكرت المصادر أن إيران التي تقوم بعمليات التفاوض مع دولة إقليمية أخرى، حرصت في الآونة الأخيرة على تقديم جوائز معنوية للنظام السوري بالتزامن مع انتخابات الرئاسة، لتقوية موقعه في المفاوضات الحالية التي تجري على الأرض لتقرير مستقبل سورية، ومن أجل ذلك أجبرت رئيس النظام على إصدار عفو عن المعتقلين، يفترض أن يشمل الآلاف خلال الفترة المقبلة، على الرغم من معارضة قادة الأجهزة الأمنية لهذه الخطوة.
ولفتت المصادر إلى أن فصيلاً مقاتلاً مؤثراً رفض هذه الصفقة وسعى إلى إفشالها، ولكن الدولة الإقليمية التي تمثل الطرف الآخر من المفاوضات ضغطت عليه بشدة، أصدرت بحقه قراراً مؤثراً، اضطره للقبول بالصفقة والانسحاب من كسب بشكل جماعي ومن دون قتل.
وبحسب المصادر، تحاول إيران، الراعية الإقليمية لنظام الأسد، أن تعيد خلط الأوراق على الساحة السورية، مستغلة نفوذها الكبير الذي بات أكبر من قدرة النظام السوري على معارضته، وتحاول من خلال قيادتها لمبادرات تصالحية وعقد صفقات هنا وهناك على المستويين الإقليمي والدولي لتحسين صورتها وتعزيز موقعها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة والغرب حول ملفها النووي ورفع العقوبات المفروضة عليها.
عنصر من خطة متكاملة
وأكدت المصادر أن صفقة كسب هي عنصر من عناصر الخطة الإيرانية الكبرى لتصفية الثورة السرية، والتي بدأت مع صفقة حمص، والساعية إلى تفريغ المناطق الغربية من أي وجود للمعارضة، ووضع المجتمع الدولي أمام انتخابات الأمر الواقع، التي دعمتها بشكل كبير، وإقناع الإدارة الأميركية بأنها هي والنظام السوري شريكان في مكافحة الإرهاب الذي بات يهمين على كامل الجغرافيا السورية، حسب زعمها. وأشارت المصادر إلى أن طهران طلبت مساعدة دولة إقليمية محددة، لها تأثير مهم على الوضع السوري، وأن هذه الدولة طالبت بخطوات كبرى تقنع بها الكتائب المعارضة للاستجابة للمطالب الإيرانية، ومنها إطلاق سراح المعتقلين، بالإضافة إلى خطوات سياسية أخرى منها قبول شخصيات معارضة ضمن حكومة مشتركة بحيث يبقى رئيس النظام السوري خارج أي مفاوضات حول تقاسم السلطة.
التفاف على «جنيف»
وبينت المصادر إلى أن هذا الحل، الذي يعد التفافاً على عملية جنيف ووضع حد لها، لم يجد اعتراضاً أميركياً واضحاً، وكان يمكن أن يسير بهدوء لولا التطورات الأخيرة في العراق، والتي أعادت خلط الأوراق، ووضعت واشنطن أمام أولويات جديدة، مشيرة إلى أن رئيس النظام السوري أشار قبل شهور قليلة إلى أنه سينتهي من محاربة الإرهاب (بالتضافر مع الجهود الدولية والإقليمية) مع نهاية هذا العام، ليتفرغ في العام المقبل لمحاربة ما تبقى من كتائب مقاتلة معزولة وضعيفة، في استعادة لتجربة الجزائر قبل عقدين من الزمن.
وأوضحت المصادر أن هذا السيناريو الذي وضعته إيران، هو الذي أعطى النظام السوري الثقة والمبرر لعدم تقديم تنازلات في «جنيف 2» ما أدى إلى توقف العملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة وروسيا والغرب، مفضلاً عليها الحل الإيراني. خيوط اللعبة
قالت المصادر السورية القريبة من المعارضة إن إيران تملك جميع خيوط اللعبة في الملف السوري وأن لديها عدة سيناريوهات لأي وضع قد يستجد على الأرض، بحيث لا يخرج الأمر عن سيطرتها، منها السيناريو السابق الذي يحفظ بالأسد على رأس السلطة، وأيضاً سيناريو استبعاد الأسد وقبول رئيس من الأغلبية المذهبية يدور في فلك المشروع الإيراني، إن كانت تكلفة بقاء الأسد باهظة الثمن.