تعطي الإدارة الأميركية، في تعاملها مع الأزمة العراقية، إشارات محمّلة بالألغاز والتناقضات. تارة تقول إن هجمة «داعش » تهدّد مصالح وأمن أميركا وبالتالي فإن كافة الخيارات على الطاولة «ما عدا التواجد العسكري على الأرض العراقية».

وتارة أخرى تقول إن المشكلة بالنهاية عراقية وعلى العراقيين صياغة مخرجها.

وفي حين تصف الوضع بأنه في منتهى الخطورة، تعود لتقول بأنها لم تتخذ قرارها النهائي بعد وبأن الخطوات التي يمكن أن تعتمدها لن يجري تحديدها بين ليلة وضحاها.

فهي تواصل دراسة التطورات. مرة يقال إن حاملة الطائرات جورج دبليو بوش المفترض أن تشارك في أي عملية قصف جوي، ما زالت في بحر العرب؛ ومرة يتردد أنها تحركت لدخول مياه الخليج لتكون على المسافة المطلوبة ليشارك طيرانها في الحملة. تذبذب ينطوي على واحد من اثنين: إما التعتيم على تدبير يجري حبكه في الظل لأنه يثير حساسيات واعتراضات في المنطقة، وإما لأن الأمور خرجت أو تكاد عن السيطرة في المحيط الأوسع وبالتالي فإن كل ما يتردّد ليس سوى لشراء الوقت وضبط الخسائر بقدر الإمكان.

خشية من العودة

الشيء الواضح الوحيد حتى الآن، أن البيت الأبيض ليس في وارد الانجرار إلى ساحة النزاع. لكنه يخشى أن تفرض عليه العودة إلى حيث لا يريد، أي إلى التدخل الاضطراري لغرض الردع أو لفض الاشتباك في المنطقة.

مشكلة الرئيس باراك أوباما أن سياسته تجاه العراق أولاً ثم سوريا بشكل خاص ثانياً والآن إزاء العراق مجدداً، مع ما انطوت عليه من تراجع وتردّد، قد تجرّ إلى مثل هذه النتيجة. فهو يعتمد سياسة المزج بين شراء الوقت والتلويح بخيار القوة؛ علّ ذلك يقود إلى برّ الأمان. لكن التطورات لم تسعفه حتى الآن. لذلك ما زال خطاب الإدارة يدور في الدائرة الرمادية.

إذا كانت سياسة الإدارة في سوريا هي المعيار فإن تعاطيها بهذا الشكل مع التطور الداعشي العراقي، لا يؤشر إلى النية في لعب دور حاسم. إرسال حاملة الطائرات إلى مقربة من العراق، لا يعني بالضرورة استخدامها. ألم ترسل الإدارة أربع بوارج حربية إلى قبالة الشواطئ السورية الصيف الماضي، ثم تراجعت في آخر لحظة وأمرتها بالانسحاب؟.

الإدارة تتصرف كمن وجد نفسه في وضع محرج ومربك. لو تدخلت الآن ولو لـ«لإنقاذ»، لبدا دورها وكأنه عملية تعويم لرئيس الحكومة المالكي ومن يمثل في الداخل والإقليم. أمر «سيكون له صداه السلبي» من بعض دول الإقليم كما يحذر المراقبون. من جهة أخرى، لو عزفت عن أي تدخل، لربما وجدت نفسها أمام «حرب أهلية طائفية تفيض عن وعائها العراقي».

خاصة وأن خطر مثل هذه الحرب بات احتمالاً راجحاً في ضوء التهديدات الداعشية ودعوات المرجعية إلى حمل السلاح لمواجهتها. لذا تبدو واشنطن وكأنها تعمل على التوفيق بين دور إيراني عسكري بدأ يزحف نحو الأزمة العراقية وبين حضور أميركي على ضفافها.

تسجيل المواقف

الجدل الدائر في واشنطن يطغى عليه التسيّس وتسجيل المواقف. ليس هناك من يملك التصور المتماسك للدور الأميركي ولا للمخرج الأفضل. الكل يريد أن تقوم واشنطن بعملية الإنقاذ وبسرعة وإلا «فإن 11 سبتمبر أخرى قادمة ضدنا»، كما يقول السناتور الجمهوري لاندسي غراهام. لكن ليس هناك من يدعو إلى العودة إلى العراق ولا من يملك التصور العملي والمتماسك لمثل هذا الدور.

معظم المتداول يدور حول حلّ يقوم على مزيج من «القصف الجوي الأميركي بموازاة التنسيق مع طهران وأنقرة لإنهاء حكم المالكي واستعادة السنّة إلى المشاركة بحكومة جديدة».

لكن مثل هذه الصيغة يلزمها شروط لتأمين نجاح شقها العسكري. منها «إرسال خبراء ومستشارين عسكريين أميركيين إلى بغداد لمساعدة الجيش العراقي على استئناف دوره وتمكينه من استرجاع المناطق من داعش» كما يرى الجنرال المتقاعد بول إيتن. لكن مثل هذه العودة لا يوجد قابلية سياسية لها.

خاصة لدى البيت الأبيض. ثم هناك قراءات وتحليلات ترى أن الوضع العراقي تجاوز احتمالات التماسك، حيث تقوم على أرضه «ثلاث كيانات مترسخة الآن كأمر واقع». بل ثمة من يستحضر التاريخ ليقول ان المنطقة بكاملها تسير في هذا الاتجاه وأن زخم التفسّخ ما عاد بالإمكان الوقوف بوجهه، حتى لو أرادت واشنطن «التي تفضّل استمرار الخارطة الراهنة للمنطقة بالرغم من متاعبها، على إعادة رسمها الجارية» كما يقول أحد كتاب صفحة الرأي في «نيويورك تايمز».

عندما تكون الفوضى ضاربة أطنابها في المعالجة، على شاكلة الفوضى الغارقة فيها الساحة المطلوب معالجة أزمتها، عندئذ تكون الأمور على كف عفريت في أحسن أحوالها.

 

 

مساعدة

 

 

 

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري لنظيره العراقي في مكالمة هاتفية إن المساعدة الأميركية لن تنجح الا اذا وضع الزعماء العراقيون خلافاتهم جانبا وحققوا الوحدة الوطنية اللازمة لمواجهة تهديد المتشددين.