عندما اجتاحت القوات الأميركية ــ البريطانية العراق العام 2003 وأسقطت نظامه، أطلقت على عمليتها اسم «حرية العراق»، وفي تفصيل الشعار سيقت تصريحات عن تحرير العراق من «الدكتاتورية»، و«الاستبداد»، لكن تلك الشعارات لم تستطع التغطية على الهدف المعلن الأشد بروزاً الذي حمله غزو العراق.

كان القرار الأول الذي اتخذه قائد جيش الاحتلال الأميركي في العراق بول بريمر هو تفكيك الجيش العراقي بقرار من الحكومتين في واشنطن ولندن، الأمر الذي اعتبره مراقبون، في حينه، اللبنة الأولى لمخطط نشر الفوضى في بلاد الرافدين. لذلك يتدفق سيل من الوجاهة والدقّة في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي اعتبر الزحف السريع والمفاجئ للمتشددين الإسلاميين في شمال العراق، فشلاً ذريعاً للسياسة الأميركية والبريطانية في هذا البلد.

اعترافات بريمر

قبل خمسة أشهر من الآن، تحدّث بريمر الذي أدار العراق 14 شهراً بعد الغزو عن حدوث «أخطاء عسكرية استراتيجية فادحة». وقال إن العقدة النفسية بعد حرب فيتنام جعلت جنرالات الولايات المتحدة يخوضون حرباً غير فعالة بُنيت على عقيدة عسكرية خاطئة وأُديرت بأعداد هزيلة من القوات. ومما ذكره أيضاً أن أخطاء السياسات الأميركية والبريطانية في العراق أعطت فرصة لإيران لتوسيع نفوذها، وأن أميركا وبريطانيا تعجلتا في سحب كل قواتهما وهو ما خلق مخاطر جديدة.

وقال إن «هذا كان خطأ وكان ينبغي أن نترك بعض القوات في العراق وإن هذه كانت توصية القادة الأميركيين».

لكن صحيفة إندبندنت التي أجرت معه الحوار قالت في حينه إن بريمر يتحمل جانباً مهماً من مسؤولية انزلاق العراق في الفوضى، حيث إنه بدأ على الفور سلسلة من الإجراءات زعزعت استقرار الوضع الأمني الهش بالفعل وأسست لسوء الإدارة المالية. ويضيف المراقبون للشأن العراقي ما هو أخطر من كل ذلك وهو إرساء الأساس لنظام المحاصصة الطائفية، وهو دريف للفوضى الشاملة في ظل تفكيك الجيش وإقرار قانون «اجتثاث البعث».

عودة الجدل

اليوم، وبعد انقضاء إحدى عشرة سنة على الغزو، وثلاث سنوات على انسحاب قوات الاحتلال، وبعد التطورات الدراماتيكية الأخيرة المتمثّلة بالانهيار السريع والمفاجئ للقوات العراقية أمام مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» الملقب بـ «داعش»، يعود الجدل من جديد في الساحة الأميركية. وأنحى مسؤولون أميركيون، الجمعة، باللائمة على القادة العراقيين الذين اتهموهم بالإخفاق في تعزيز ودعم جيش العراق بعد انسحاب القوات الأميركية «على الرغم من مليارات الدولارات التي انفقت لتدريب وتجهيز هذا الجيش».

برلمانيون جمهوريون رأوا ان وجود قوة أميركية في العراق كان سيمنع انهيار الجيش العراقي في مواجهة تقدم المتشددين الاسلاميين، لكن الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية ماري هارف رفضت هذه الانتقادات وقالت «عندما غادرنا العراق بعد سنوات من التضحيات ومن أموال دافعي الضرائب الأميركيين، كان لدى العراقيين فرصة». وأضافت «لقد ساعدنا قواتهم الأمنية وساعدنا جيشهم». وتابعت «ساعدناهم على النهوض وفي بناء قدراتهم وبصراحة لم يستفيدوا من هذه الفرصة»، مشيرة الى ان القادة العراقيين «خلقوا جواً مليئاً بالحساسيات عندما يتعلق الأمر بترابط الجيش العراقي».

رغم المليارات

وعلى الرغم من الحديث عن إنفاق مليارات الدولارات على ما يسميه الأميركيون «الجيش العراقي الجديد»، يشعر مسؤولون أميركيون بخيبة أمل بسبب غياب الجيش العراقي عند تقدم مقاتلي «داعش» وسيطرتهم على الموصل قبل أن يبدأوا الزحف باتجاه بغداد.