يخطئ من يظن أن استيلاء تنظيم «داعش» (أو حتى العشائر المسلحة كما تفيد بعض السيناريوهات) على نينوى، والتي أدت إلى نزوح نصف مليون شخص، سيكون في غير صالح رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، فالأكيد أن انسحاب الجيش فجأة من المدينة وعجزه على حماية السكان يعود بالدرجة الأولى إلى التراخي الأمني، ما يدعو للتنبؤ بأن هناك شيئاً في الخفاء تم الإعداد له بهدف إعطاء فرصة نادرة للمالكي لشرعنة ما وصف بالحرب على الأنبار، والرد على الانتقادات الموجهة له من قبل منظمات عالمية لحقوق الإنسان في حربه على الفلوجة بتأكيد أن «داعش» خطر على الأمن الإقليمي، وتطويق المناطق الغربية السنية.. وربّما الوصول إلى حد جلب قوات عسكرية أجنبية إلى العراق لمواجهة الإرهاب.

خلط الأوراق

عملية خلط الأوراق واحدة من الممارسات التي تتبعها حكومة المالكي لحرف بوصلة الرأي العام المحلي والدولي عن الاتجاه الوطني الصحيح. ومنها الخلط بين ثورة الأنبار و«داعش» وتنظيم القاعدة، والتعامل مع العناصر الثلاثة المختلفة الخواص كوحدة واحدة.

فحرب الأنبار التي أشعلها تحت مسمى «الحرب على الأرهاب» لم يوفق بها لحد الآن رغم اعلانه عدة مرات في كلماته الاسبوعية بأنه انتصر على «داعش»، ما أفقده مصداقية حملته العسكرية وإلا كيف تدين منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلقاء براميل متفجرة فوق مناطق مأهولة بالسكان في الفلوجة من قبل الجيش العراقي واعتبرتها جرائم ضد الإنسانية رغم أن الجيش برر ذلك بمحاربة «داعش»، وقد أشارت المنظمة إلى انه لا يمكن مقارنة ما قام به هذا التنظيم مع جرائم حكومة تنصّلت من مسؤولية حماية السكان المدنيين واحترام قوانينها فضلا عن القوانين الدولية.

تسويق الحرب

ووسط هذه التطورات، فشل رئيس الوزراء العراقي في الحصول على الدعم السياسي الداخلي والخارجي في الأنبار، فجميع السياسيين في العراق حذروه من تلك الحرب وفضحوا مبرراتها، وسموا حربه بحرب طائفية وليس لها اية علاقة بالارهاب، لذلك لم يكن أمامه الا ان يراهن على تسويق حربه إقليمياً ودولياً عن طريق السماح بتغلغل قوات «داعش» في مناطق سنية أخرى وسط مقاومة ضعيفة للجيش العراقي، وإظهار للرأي العام الدولي أن هذا التنظيم خطر عالمي لابد من استئصاله وأن تبريرات حربه في الأنبار مقنعة بحيث انه يحاول مواجهة تنظيم يحاول تمزيق وحدة العراق وتشتيته إلى دويلات.

وما يدعو للاستغراب دعوة رئيس الوزراء أهالي الأنبار لحمل السلاح والالتحاق بالمقاتلين المحسوبين عليه حسب تعبيره، وهذه الدعوة تعني تسليح المواطنين على اختلاف مشاربهم دون معرفة توجهاتهم، ما يعني تشجيع انتقال السلاح إلى المحافظات الأخرى، رغم أن عواقب انتشار السلاح لينتقل إلى محافظات غير الانبار يشكل خطراً فضلاً عن أخطار متربّصة بالسلم الاجتماعي الهشّ. وهو ما يؤكد ان ما جرى في محافظة نينوى بسقوطها في أيدي «داعش» ما كان ليكون لو تم تطهير منطقة الأنبار من المسلحين، لكن رضوخ الجيش للأمر الواقع وتركه المحافظات تسقط واحدة تلو الأخرى يخفي وراءه قرارات مقبلة للحكومة العراقية في المحافظات الغربية ستكون أكثر صدمة من حرب الأنبار.