تفرض أحداث الموصل نفسها حالياً على الأوضاع في العراق والمنطقة عموماً، إذ لم يكن من المتوقع أن تمنى القوات العسكرية الرسمية، البالغ تعدادها في نينوى أكثر من 50 ألف مقاتل، بمثل هذه الهزيمة المفاجئة، في ليلة واحدة، من قبل مجموعة مسلحة يقال إن عددها يقارب الـ 2000 مقاتل، ولا تمتلك من المعدات ما يعادل جزءًا يسيراً من الترسانة التي يمتلكها الجيش، بما في ذلك الدبابات والطائرات.

ويشير المتابعون للشأن العراقي، إلى أن هناك مقاومة كانت بالفعل، من قبل فوج «صولة الفرسان» في نينوى، الذي بقي محاصرا في الجانب الأيمن من المدينة لمدة يومين، طلب خلالها النجدة، إلا أن أحدا لم يستجب، إلى أن تم اجتياحه، والقضاء عليه، فانهارت القوى الأمنية في المحافظة بالكامل.

وفي خلال ذلك، حذر محافظ نينوى، بأن القصف العشوائي على الساحل الأيمن من الموصل يفقد القوات المسلحة أي دعم، بل يكسب لها العداء لا غير، ولو كانت القوات العسكرية تحظى بأي دعم شعبي، لما كان بإمكان المسلحين دخول شارع منها.

الرفض الحكومي

ويرى المراقبون السياسيون أن «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لم يكن لها نفوذ يذكر قبل عدة شهور في مناطق غرب وشمال العراق، وإنما كانت لهم ركائز متفرقة خارج المدن، ولاسيما تلك التي شهدت حراكا شعبيا واعتصامات سلمية، إلا أن نفوذ التنظيم بدأ يظهر مع استمرار الرفض الحكومي للمطالب السلمية الشعبية.

وخاصة عند اقتحام القوات الحكومية ساحة اعتصام الحويجة في أبريل 2013، وقتل العشرات من المعتصمين، وجرح المئات، واعتقال آخرين، عندها تحرك طالبو الثأر والكثير من رجال العشائر باتجاه أن الحقوق لا يمكن الحصول عليها من الحكومة بالطرق السلمية، ما دفعهم للانضمام إلى المجموعات المسلحة، ومنها تنظيم القاعدة».

ويؤكد المتابعون للشأن العراقي، أن «معظم الذين انتسبوا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لا يتبنون فكرها ولا ينتسبون إليه، وإنما جمعهم معها طلب الثأر للدماء التي أريقت من دون وجه حق، والتيقن بأن الحكومة لن تجنح إلى السلم.

ولن تستجيب حتى لأبسط المطالب الشعبية، والأكثر من ذلك، السياسة الطائفية التي اتبعتها حكومة المالكي، بزج قوات الجيش الشيعية في المناطق السنية، ما اعتبره الكثيرون، حربا طائفية » .

هزيمة الجيش

ويؤكد المراقبون السياسيون إن «هزيمة جيش المالكي في الموصل تعود بالأساس إلى أنه لم يستطع كسب ودّ وثقة المواطنين، بل بالعكس، اتقن كسب الأعداء بسلوكه الطائفي، إضافة إلى أن القوات المسلحة لم يتم بناؤها على أساس المهنية، وإنما على أساس الارتزاق »، والحصول على راتب جيد، استنادا إلى انتماءات حزبية وطائفية وفئوية».

وفي السياق، لابد من الإشارة إلى أن الحكومة تطلق اسم «داعش»، على كل الجماعات المسلحة المعارضة لها، ومنها «المجلس العسكري»، الذي لعب دورا أساسيا في معارك الموصل، والذي يتكون بغالبيته من ضباط سابقين في الجيش، لهم خبرة عسكرية جيدة.

ويرى الخبير في الشؤون الأمنية، هشام الهاشمي، أن «سيناريو الاستيلاء على الموصل يشبه ذلك الذي حدث في الأنبار، وأن انسحاب «القوات الأمنية من المدينة يشكل هزيمة وهروباً نتيجة عدم وجود خطة عسكرية واضحة لإدارة المعركة».

ويقول الهاشمي، إن «ما حدث في الموصل يشبه إلى حد كبير سيناريو ليلة 30 -31 ديسمبر الماضي، حين سقطت مدينة الفلوجة وأجزاء من الرمادي، بيد المسلحين»، مشيراً إلى أن «الجيش في الأنبار انسحب قبل دخول المسلحين بينما انهارت الشرطة المحلية سريعاً، على غرار ما شهدته الموصل تماماً».

لجان شعبية

ويكشف الخبير «المتخصص بالحركات الجهادية»، عن «هجوم ثلاثة آلاف مسلح على الموصل، وتمكنهم من السيطرة على المدينة وإطلاق سراح أكثر من 2500 معتقل من سجن بادوش»، ويرى أن «البديل لانهيار الجيش في الموصل يتمثل بتشكيل اللجان الشعبية من سكان المدينة»، مشككاً بـ«إمكانية نجاح مثل ذلك الحل نظراً لسوء علاقة الجيش بالأهالي الذين يشتكون دوماً من الإهانات والاعتقالات العشوائية».

إلى ذلك يبدي النائب عن التحالف الكردستاني، شوان محمد طه، خشيته من إمكانية تعرض الموصل لسيناريو الفلوجة، التي تدخل الأزمة فيها شهرها السادس من دون حسم.

الرد بحكمة

ويؤكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، على ضرورة «تعامل القوات الأمنية بحكمة في الرد على هجمات المسلحين»، في إشارة إلى تجنب إصابة المدنيين العزل في العمليات العسكرية، واستخدام خطط بديلة أكثر فعالية لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة.

ويرى طه، أن «التحرك السريع للجماعات المسلحة من الأنبار إلى الموصل، ومن ثم إلى صلاح الدين، يدل على ضعف القوات الأمنية وعدم قدرتها على حماية البلاد»، عازيا انهيار المنظمة الأمنية وانسحاب الجيش من الموصل، إلى ضعف الجهد الاستخباري وعدم تدريب الجيش على حرب الشوارع والقتال في المدن.

ويتابع أن من «أسباب الفشل الأمني الأخرى انشغال الجيش، بالصراعات السياسية بدلاً عن حماية المواطنين»، وحذر من مغبة «الموافقة على طلب الحكومة إعلان حالة الطوارئ»، عاداً أن ذلك «لا يلامس المشكلة القائمة حالياً».

دعم عسكري

 

أعلن وزير الدفاع الاسترالي ديفيد جونستون عن استعداد بلاده تقديم المساعدة للعراق، بعد استيلاء «داعش» على الموصل.

وقال جونستون إن «الولايات المتحدة قلقة للغاية وكذلك استراليا بشأن الأحداث في العراق»، مبيناً أن«إستراليا سترى كيف ستتطور الاوضاع والأمور في الأجل القصير»، وأضاف إن «إستراليا ستتحدث مع أصدقائها وحلفائها بشأن كيفية مساعدة الحكومة الشرعية في العراق»، مشدداً على ضرورة أن« يطلب العراق المساعدة منا».