يبدو أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حريص على حل أزمة الأنبار بما يسهم في تحقيق إنجاز كبير يكون بمثابة جسر للانطلاق نحو الولاية الثالثة على اعتبار أن الأزمة خلقت له متاعب داخلية وخارجية جعلته في دائرة الاتهامات باستعمال «براميل متفجرة» في حربه على هذه المنطقة، وعدم التفريق بين المدنيين والمسلحين، ما أدى به إلى البحث عن وصفة سحرية في محاولة لتصحيح أخطائه، بالاستجابة لمطالب المتظاهرين والصفح عن الجميع ماعدا الذين تلطخت أيديهم بالدماء.

وبعيداً عن التجاذبات السياسيّة حول مثل هذا المؤتمر، فإن مجرّد إقرار الحكومة العراقية بضرورة أن تكون المسارات السياسيّة لحلّ أزمة الأنبار متلازمة مع المسارات الأمنيّة والعسكرية، وليست منفصلة عنها، هو تطور، بصرف النظر عن كونه جاء متأخراً عن موعده الطبيعي.

وربما لن يكون الجدال حول تأخر دعوة رئيس الوزراء العراقي إلى عقد المؤتمر بعد قرابة سنتين على اندلاع التظاهرات في المدن السنيّة عموماً، وبعد سبعة شهور على انفجار المواجهات الدامية، بعد اقتحام الجيش العراقي ساحة اعتصام الأنبار نهاية العام الماضي، غير مفيد بقدر ضرورة استثمار الأجواء الإيجابية من قبل الأطراف المختلفة، للتوصّل إلى حل نهائي للأزمة.

مرحلة جديدة

الغاية من عقد مؤتمر خاص بالأنبار، هي التأسيس لمرحلة جديدة من التعاطي الحكومي مع الأزمة ومنع تكرار مشاهد العنف الحالي مستقبلاً، بعدما وجد المالكي في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ظهيراً كبيراً في محاولاته تقسيم الصف العشائري في المنطقة؛ إذ شكل دخول التنظيم في الأزمة، ومحاولة استغلالها ضربةً كبيرة للانتفاضة الشعبية في الأنبار، حيث إنه وعلى الرغم من أن مطالب المنتفضين كانت تشمل ما يعانيه العراقيون كافة من التهميش والفساد المالي والإداري وغياب الخدمات، فإن الحكومة أصرّت على أنها مطالب ذات أهداف طائفية. في الواقع، إن الصراع الداخلي في الأنبار سواء على المستوى السياسي أو القبلي، يضع عراقيل كبيرة أمام التوصّل إلى حلول، وتباين المصالح بين هذه الأطراف عمّقته سياسات الحكومة العراقيّة في إدارة الأزمة منذ بدايتها.

تراجع عن مسارات

وكان حديث المالكي عن احترام المختلفين والمناوئين والتركيز على تصفية أزمة الأنبار من خلال المؤتمر، إشارة واضحة إلى التراجع عن مسارات لم تكن مناسبة، خلال الشهور الماضية لإدارة الأزمة، فتصنيفه زعماء العشائر على أساس الولاء للحكومة والولاء لـ«داعش»، لم يكن تصنيفاً مفيداً، ومن نتائجه أن الأطراف المعارضة تشدّدت في مواقفها، واقتربت بالفعل من «داعش»، لمواجهة انتقامات محتملة سواء من الحكومة أو من العشائر المقرّبة منها. وكان الأجدى العمل مبكراً على احتواء العشائر وتقريبها وتقليل التباينات في ما بينها، لضمان موقف موحّد. ويرى متتبعون أن الحل السياسي لأزمة الأنبار في حال تحققه سيوفر الجهد اللازم لإدارة المعارك الدائرة هناك.

امتداد الأزمة

لكن هذا الإطار المعلن للمفاوضات، تقف خلفه عقد كبيرة، أهمها أن الأزمة الممتدّة وانفتاحها وتداخل الخنادق بين مقاتلي «داعش» ومقاتلي العشائر والمجموعات المسلحة المتحالفة معها، لن يسمح بإيجاد فرز موضوعي لساحة القتال بين الأطراف، خصوصاً أن الشهور الماضية شهدت تعاوناً بين الطرفَين، فمقاتلو العشائر والمجموعات المسلحة الأخرى لا يرغبون بقتال «داعش» في هذه المرحلة، وأنهم يفضلون حلاً يسمح بإيجاد ممرات آمنة لانسحاب هذا التنظيم من الفلوجة إلى خارجها بالتزامن مع انسحاب الجيش.

لا شك في أن قوات الجيش العراقي أعطت فرصة إلى التنظيمات الإرهابية إلى إعادة ترتيب دفاعاتها، والتمترس في المدينة مثل زرع الألغام وبناء المتارس والأنفاق، ومحاصرة مناطق لتكون دروعاً بشرية، وفرض تعاليمها.

تسييس الأزمة

إن مطاولة الأزمة في الأنبار من شأنها ترفع كل التنظيمات المسلحة، وتعطي رسالة إلى الرأي العام والمجتمع الدولي بأن الأزمة في الأنبار تخضع للتسييس والتوافقات داخل الكتل السياسية، لتتحول القضية من مكافحة الإرهاب إلى قضية انتهاكات حقوق الإنسان في العراق. وهذا ما فعلته منظمة «هيومن رايتس»، المعنية بمراقبة حقوق الإنسان التي اتهمت الجيش العراقي بضرب السكان في الفلوجة بالبراميل المتفجرة، لذلك فلا مجال للحكومة أن تزايد في مؤتمر الوحدة الوطنية في الأنبار، بل عليها أن تستجيب للمطالب الشرعية المرفوعة، ووقف الحل العسكري الذي لم يحقق الشيء المرجو في محاربة «داعش»، بل حقق نتائج عكسية جعلت عدداً من العشائر تنضم إلى هذا التنظيم، رداً على استهداف الجيش والمدنيين.

 

15 بدلاً عن 20

قررت اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأنبار أمس عقد المؤتمر الخاص بالمحافظة في الخامس عشر من الجاري في بغداد، وذلك بدلاً من العشرين منه.

وكان رئيس الوزراء نوري المالكي، دعا إلى الإسراع بعقد مؤتمر الوحدة الوطنية لمحافظة الأنبار، متعهداً بالصفح عن الجميع باستثناء الذين تلطخت أيديهم بدماء العراقيين.

وأكد مستشار رئيس الوزراء علي الموسوي، أن اجتماع اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأنبار لم يحدد بعد أسماء الشخصيات والمعارضين، الذين سيشاركون في المؤتمر.