لم يكن الفوز «الساحق» الذي حققه رئيس النظام السوري بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية حدثاً يخالف المألوف لدى السواد الأعظم من السوريين، بقدر ما كان مهزلة تاريخية رسخت صورة سلبية للغاية لنظام الحكم بعد أن وصل البلاد إلى كارثة تكاد تمحو سوريا من الخارطة الدولية.

ويتداول المراقبون سيناريوهات تعقب مرحلة ما بعد الانتخابات في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية التي قد تساهم في تحديد بوصلة الصراع الدموي الدائر منذ ثلاث سنوات.

السيناريو الأول الذي يروج له النظام وأنصاره، يأخذ حيثياته من فرضية الاستقرار والأمن بديلاً للديمقراطية، حيث يعتقد الأسد وحلفاؤه أن الناس على استعداد للتضحية من أجل إنهاء الأوضاع المأساوية التي صنعتها الحرب والثورات. ومن أجل أن يعزز الأسد هذه الصورة النمطية فإنه وضع على قائمة الأهداف الرئيسية في ولايته الثالثة توطيد حملة مكافحة الإرهاب، بمعنى إظهار قمعه لمجموعات المعارضة السورية على أنّه حرب ضدّ المنظمات الجهادية.

حرب على الإرهاب!

ويراهن الأسد، من خلال ذلك، على دعم المجتمع الدولي له في نهاية المطاف، أو على الأقل التنسيق معه في هذه الحرب الجديدة على الإرهاب، الأمر الذي من شأنه أن يضمن بقاءه في السلطة. ومع أنّ الدول الغربية اعتبرت أنّ انتخابات 3 يونيو «مهزلة»، إلا أنّ رهان الأسد يبقى منصباً على الحرب ضد الارهاب في ضوء الاستراتيجية الغربية.

ويرى آخرون أن التسوية السياسية بمثابة سيناريو آخر يفرض نفسه على المشهد السوري وفق مقولة لا غالب ولا مغلوب، ويرجح الكثير من المراقبين أن يمر هذا السيناريو من بوابة مصر في عهدها الجديد. ويدعم هذا الاحتمال تسريبات تشير إلى أن القاهرة ستعمل في الأيام المقبلة على صياغة توافق سعودي إيراني. بالإضافة إلى العمل على توحيد المعارضة الداخلية ولو جزئياً من أجل تسوية سلمية للصراع.

رفض في الظاهر

ويبدو في الظاهر أن النظام سيرفض هذا الخيار وذلك بسبب نشوة فوزه بالانتخابات من جهة، والانتصارات العسكرية المزعومة في الميدان من جهة ثانية، لكنه في الواقع سيذعن لما يمليه عليه الروس والإيرانيون بحسب المحللين. خاصة وأنه يطمح لأن يحصل على مباركة أميركية لمحاربة الإرهاب. في حين يبدو موقف الائتلاف الوطني أقرب إلى الرؤية السعودية والأميركية في هذا الإطار، بينما هيئة التنسيق الوطنية والقوى الكردية قد تندمج في هذه التسوية وفق خياراتهم السياسية المفتوحة للحل التوافقي.

خيار ثالث

وأمام هذا الحراك السياسي الجديد والمحتمل، قد يلجأ الغرب وعلى رأسه أميركا إلى خيارات أكثر براغماتية، بحيث يكون تطويل الصراع لأطول فترة ممكنة مراوغة جديدة تجني من ورائها فوائد عدة من هذا الحراك الجديد، وذلك بعرقلة هذه التسوية السياسية المحتملة من البوابة التركية، التي قد تجد نفسها في حوار مع القوى الكردية المتمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي بهدف مواجهة هذا الحراك الذي سيدير الملف السوري، وفق ما تسوقه وسائل الإعلام التركية في هذه الآونة.

قد يكون من ملامح هذا السيناريو استمرار الغرب في تقديم دعم للمعارضة المسلحة المتمثلة في الجبهة الإسلامية والتي سبق أن أرسلت إشارات الطمأنينة إلى الغرب مع ضرورة تشديد الخناق على «جبهة النصرة» و«داعش» بعدما أضافت كل من تركيا والاتحاد الأوربي «جبهة النصرة» على قائمة الإرهاب، فضلاً عن تداعي هيكلية المعارضة التقليدية، وبروز هياكل لمعارضات جديدة مثلما يجري تحضيرات لها في اسطنبول.

 

تفاهم أميركي روسي

يعتبر مراقبون بأنه لن يكتمل أي سيناريو إلا بتوقيع أميركي روسي. وطالما أن إدارة باراك أوباما متمسكة بالتسوية السياسية، رغم خروج أصوات تطالب بتقديم الأسلحة الفتاكة إلى المعارضة المعتدلة، فهذا يعني أن تصريحات جون كيري الذي دعا إيران وروسيا وحزب الله للانضمام إلى الجهود الرامية بغرض العثور على حل ينهي الحرب في سوريا، تدخل في هذا السياق. البيان