عاش المشهد المصري أمس يوماً استثنائياً بلا مثيل في تاريخ البلاد، إذ نُصّب الرئيس المنتخب عبدالفتّاح السيسي في حضورٍ إقليمي ودولي طاغٍ بتسلّم الراية من سلفه المؤقّت عدلي منصور بكلمات بعد أن وقعا وثيقة تسليم السلطة وأداء السيسي اليمين الدستورية، واعداً بـ «النهضة الشاملة» وإعادة بناء دور مصر إقليمياً ودولياً، وبأنّ «الاختلاف يكون من أجل الوطن لا على الوطن».
وسلّم الرئيس المؤقّت المستشار عدلي منصور السلطة إلى خلفه المُنتخب عبدالفتاح السيسي، بعد أن وقّع الطرفان وثيقة التسليم في قصر الاتحادية، وسط حضور لافت، بينما حلّقت المروحيات فوق مبنى المحكمة، ملقية لافتات عليها صور السيسي، وطوّق المقر بإجراءات أمنية مشدّدة غير مسبوقة.
وقال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال مراسم الاحتفال بتنصيبه رئيساً للجمهورية في قصر الاتحادية: «إنّها لحظة تاريخية فريدة، فهذه هي المرة الأولى التي يسلم فيها الرئيس السابق السلطة لرئيس منتخب. إن رئاسة مصر شرف عظيم، ومسؤولية كبيرة، اللهم أنر لي دربي، وسدّد لي خطاي».
ووعد السيسي الشعب بتحقيق النهضة الشاملة في البلاد بقوله: «أعتزم أن تشهد مرحلة البناء نهضة شاملة على المستويين الداخلي والخارجي»، مضيفاً: «سنعوض أخطاء الماضي، وسنعيد بناء دور مصر الإقليمي والدولي».
وفي أول لقاء من نوعه بين رئيسين سلف وخلف، شكر الرئيس السيسي المستشار عدلي منصور، الرئيس المؤقّت المنتهية ولايته، لقدرته على إدارة شؤون البلاد خلال العام الماضي، حيث قال إنّ «مصر دولة وشعباً تتقدم لك بالشكر على ما قدمتم للبلاد خلال توليكم رئاسة البلاد، خلال عام واحد ضربت مثلاً جلياً في الانتماء وإنكار الذات، كنت رئيساً قديراً وإنساناً خلوقاً ومحباً للوطن، وأثق أن عطاءك من أجل الوطن سيستمر فياضاً».
وتوجه السيسي بشكر خاص لخادم الحرمين الشريفين قائلاً: «أعرب عن شكري وتقديري الخاص لخادم الحرمين الشريفين لمبادرته بالدعوة إلى عقد مؤتمر أصدقاء مصر»، وتابع شاكراً العرب على مواقفهم الداعمة: «أشكر كل أشقائنا العرب وأصدقائنا الدوليين الذين أثبتوا أن الأخوة والصداقة أفعال لا أقوال».
من أجل الوطن
وقال الرئيس عبدالفتاح السيسي إنّ «مصر الجديدة لم تغفل قوتها الناعمة من فكرها وأدبها وفنها»، مضيفاً أنّ «نجاح الثورات يتحقق بتنفيذ أهدافها»، وتابع: «نختلف من أجل الوطن وليس على الوطن»، متعهّداً بسيادة قيم الحق والسلام، مضيفاً: «سنؤمن لشعوبنا مستقبلاً أفضل، سنؤسّس لمصر المستقبل؛ دولة قوية عادلة آمنة مزدهرة تؤمن بالعلم والأمل». وشكر السيسي رؤساء ووفود الدول العربية والغربية والإفريقية التي جاءت إلى القاهرة لحضور مراسم تسليم السلطة، قائلاً: «أثبتم أن علاقة الأخوة والصداقة ليست أقوالاً فقط».
وقوف أشقاء
بدوره، ألقى الرئيس المصري المنتهية ولايته عدلي منصور خطابه الأخير بعد أن سلّم رئاسة مصر إلى الرئيس الجديد بعد تولي المهمة، مؤكّداً أنّ «مصر لن تنسى من وقف بجانبها وقت الشدة».
وقال منصور في مراسم تسليم السلطة للرئيس عبدالفتاح السيسي: «مصر ستظل قادرة على تحقيق أمنها وأمن منطقتها العربية، أتقدّم بخالص الامتنان لكل أخ عربي وكل صديق دولي وفيّ أثبتت تجربتنا أنه كان على قدر المسؤولية».
وتابع منصور: «نجحنا في العبور بالبلاد إلى بر الأمان بالرغم من المصاعب التي واجهناها، وثقتي كاملة في أنّنا سننجح في استكمال خريطة الطريق، وسنعقد انتخاباتنا البرلمانية لنستكمل ونحول نصوص دستورنا لواقع ملموس، بتشريعات تصون الحريات غير المسبوقة في وطن يسع الجميع ويشيع في نفوس أبنائه الرضا».
دولة عصيّة
وأضاف الرئيس المنتهية ولايته: «أثبتت الدولة المصرية بشعبها أنّها عصيّة على الانكسار، ستظل قادرة على تحقيق أمنها وأمن منطقتها العربية، وقاهرة لمن يريد لها الشر والسوء وتقسيم منطقتنا». واختتم منصور خطابه: «لكل أخ عربي تحية شكر، لكافة الدول التي ساندتنا، وآمل أن يستمر دعمها بما يحقق مصلحة شعوبنا ويعزّز مواقفها دولياً، مصر لا تنسى مواقف من وقفوا معها في الشدة، وسنتبادل.. اختارك المصريون في انتخابات حرة ونزيهة».
توافد مصريين
وكان المصريون الذي توافدوا إلى مقر المحكمة الدستورية منذ الصباح الباكر، استقبلوا الرئيس عبدالفتّاح السيسي على نغمات أغنية «تسلم الأيادي»، فيما توافد آخرون إلى قصر الاتحادية الرئاسي، حاملين أعلام مصر وصور السيسي، إلى جانب صور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ولوّح السيسي بيديه لمستقبليه أمام مقر المحكمة الدستورية العليا، فيما تدفّق الكثيرون إلى ميدان التحرير فور أداء اليمين الدستورية للاحتفال بالسيسي، وسط حضور أمني مكثّف لحماية الاحتفالات الرسمية والشعبية بتنسيق دقيق بين الشرطة والجيش.
كلمة رئيس المحكمة الدستورية في حفل التنصيب
ألقى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار أنور العاصي كلمة خلال مراسم تسليم السلطة للرئيس عبد الفتاح السيسي وحلف اليمين وهذا نصها
«بسم الله الرحمن الرحيم. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا. صدق الله والعظيم» «تنعقدُ الجمعيةُ العامة للمحكمةِ الدستوريةِ العليا اليوم ـ حصنِ الحريةِ والديمقراطيةِ والعدالةِ وسيادةِ القانون ـ في مناسبةِ تاريخيةِ فريدة، يلتئم عِقُد هذا اللقاء في مناسبةِ أداءِ السيد رئيس الجمهورية اليمينَ الدستوريةَ، بعد أن حاز ثقةَ الشعبِ المصري في انتخاباتِ حرةِ نزيهة، ليتسلمَ الشعلة، ويحملَ الرايةَ، ويواصلَ الوفاءَ بالأمانةِ التي انتقلت إليه من سلفهِ الجليلِ المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي استودعتُه جماهيُر المصريين ثِقتَهاَ في إدارةِ شؤونِ البلادِ رئيساً لها لفترةِ قاربتْ على العام، تمكن خلالها، بتوفيقِ اللهِ وسدادِه ورشاِده، وبثباتِ موقفٍ، واستقامِة رأىِ، والتزامٍ بالعدل، وحكمةٍ في مواجهةِ المحنِ والشدائدِ أن يعبرَ بالبلادِ إلى شاطئِ الأمان. تحيةَ لهذا الشعبِ العظيمِ الذي صاغَ بدمِه وعرقِه ونضاِله وبفضِل مئاتْ الشهداء وآلافْ الضحايا من المصابين، ونسجَ وقائِعَ المناسبةِ التي تجمعنُا في رحابها الآن، لأن الشعبَ هو البطلُ صاحبُ هذا اليومْ».
باسمِ الجمعيةِ العامةِ للمحكمةِ الدستوريةِ العليا، أتوجُه إليكمـ يا سيادَة الرئيسْ ـ بخالصِ التهنئةِ على الثقةِ الغاليةِ التي أولاكُم الشعبُ المصري إياهاـ وأنتم أهلٌ لها جديرون بها عندما كان اختياركُم إلى جانبِ الشعبِ المصري عوناً له، ودعماً لنضاله العادلْ من أجلِ وطنٍ حرِ كريم، وندعو الله أن يتحققَ في ظلِ ولايِتكم بمشاطرةِ فاعلةِ حقيقيةٍ من الشعْبٍ ما ينشدُ بلوغَه من حريةِ وكرامةِ وعدلٍ وتنميةٍ في غدٍ أفضلَ وأزهى وأكثرَ إشراقاً بالأملِ والرجاء.
ويبقى في النهايةِ أن المحكمة الدستوريةَ العليا كلَها تغمرُها السعادةُ والرضا، وهي ترحبُ بعودةِ القاضي الجليلْ عدلي منصور إلى بيِته الأصلي، ليشغل مقعدهَ الشاغرْ بعد طولِ غياب عن المنصةِ العالية رئيسًا للمحكمةِ يشاركُ زملاءَ أجلاء، في إرساءِ العدلِ وإعلاءِ سيادةِ القانون وحمايةِ الدستور. وحسبنا في هذا أن نقولَ له، إن مصرَ كلَها تشكرُ لكَ ما أديتَ، وما أنجزتَ، وما أوفيتَ.
والآن، إعمالاً لنص المادة 144 من الدستور أدعو السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لأداءِ اليمينِ الدستوريةِ أمام الجمعيةِ العامةِ للمحكمةِ الدستوريةِ العليا، فليتفضل».
نص الوثيقة
«باسم الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات ومفجر الثورة.. ثورة 25 يناير لعام 2011، وما حملته من آمال وطموحات، وثورة 30 يونيو لعام 2013 المكملة التي صوبت المسار واستعادت الوطن، وتنفيذًا للاستحقاق الثاني لخريطة مستقبل الشعب المصري، وبناء على قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية رقم 36 لعام 2014، بإعلان فوز عبدالفتاح سعيد خليل السيسي في الانتخابات الرئاسية وقبل أدائه اليمين الدستورية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، تسلم السيسي مقاليد السلطة من المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت، وحررت هذه الوثيقة برئاسة الجمهورية في 10 شعبان 1435، و8 يونيو لعام 2014«.
تتويج إرادة
قال مفتى جمهورية مصر د. شوقي علام أمس، إنّ «البلاد تستقبل عهداً جديداً، بتنصيب المشير عبدالفتاح السيسي رئيساً للجمهورية»، مضيفاً أنّ «المرحلة المقبلة تحتاج إلى تضافر جهود أبناء مصر للارتقاء بها». وتمنى علام في تصريحات تلفزيونية، من الشعب أن يلتف حول قيادته للعمل بجدية في هذه المرحلة، موضحاً أنّ «اليوم جاء تتويجاً للإرادة المصرية في استحقاقات عدة، كان أولها الدستور الجديد، عقبها الانتخابات الرئاسية التي خرج فيها الشعب».
القرآن والقسم
بدأ الحفل في الساعة 11:00 بتلاوة من القرآن الكريم.. وكان أداء القسم عند الساعة 11:17.
السيسي أولاً
قدَّمَ الرئيس المنتهية ولايته المستشار عدلي منصور، الرئيس المُنتخب الجديد، للسير أولاً عقب تأهبهما للانصراف من مقر المحكمة الدستورية العليا، عقب أداء السيسي اليمين الدستورية رئيساً للبلاد. وحَرص منصور على أن يُسلم سلاماً حاراً على السيسي، عقب انتهائه من أداء اليمين الدستورية، مُسلماً تلك المسؤولية الجسيمة له.
رئيس سابق فقط
يُعد عدلي منصور أول رئيس مصري سابق لم يُغتل أو يُسجن، وأول رئيس مصري يُسلم المُهمة للرئيس التالي له، وسط دعوات شعبية وسياسية بضرورة تكريم منصور على الأداء القوي الذي قام به وتحمله المسؤولية في هذا الظرف الدقيق والصعب.
على متن طائرة حربية
حَرص السيسي، على اصطحاب رفيق الأمس في العسكرية وزير الدفاع الفريق صدقي صبحي، في رحلته من مقر المحكمة الدستورية العليا بالمعادي حيث أدى اليمين الدستورية وحتى قصر الاتحادية الرئاسي قصر العمل الرئاسي الرسمي بمصر. واستقل السيسي ورفيق دربه طائرة حربية، فور أن أدى اليمين أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية، وسط هتافات من محبيه في محيط المحكمة.
مصادفة
صادف تنصيب المشير، أمس، ذكرى اغتيال المفكر البارز فرج فودة على يد العناصر والجماعات الإرهابية في العام 1992. وبحسب مراقبين، فإن تلك المفارقة التاريخية، غير المقصودة، هو قصاص مصري من الإرهاب، وتأكيد أن مصر ماضية في طريقها للقضاء على الإرهاب الذي تقوده جماعة الإخوان.








