بالرغم من تصنيف الإدارة الأميركية لانتخابات الرئاسة السورية بأنها «مهزلة» واعتبار نتائجها بمثابة «صفر كبير»، إلا أنها تريد حفظ خط الرجعة مع الأمر الواقع. أو هكذا بدا. ففي ردّها على سؤال عما إذا كانت الإدارة في وارد فتح حوار أو قناة دبلوماسية مع النظام السوري بعد انتخابات الرئاسة، قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية ماري هارف: «سوف أعود بالجواب بعد الاستفسار من المسؤولين لنرى عما إذا كان ذلك ممكناً». إشارة إلى أن مثل هذا الاحتمال وارد. على الأقل أن الإدارة لم تقفل طريقه بعد.

من جهة ثانية قالت مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، إن المساعدات الأميركية للمعارضة السورية تشمل أسلحة «فتاكة وغير فتاكة». لم يسبق أن تحدث مسؤول أميركي بهذه اللغة. كانت الإدارة تحرص دائماً على التشديد بأن دعمها لا يشمل السلاح الفتّاك. أي المتطور والفعّال المفترض أن يحقق نتائج ميدانية. سبق كلامها تحذير عدد من أعضاء مجلس الشيوخ بعدم تسليم المعارضة صواريخ مضادة للطيران، لئلا تقع في يد المتطرفين.

وكان قد تردّد بأن الإدارة «بدأت تتقبل فكرة النظر في الموضوع» وإن كان لا فائدة من هذا السلاح الآن لأن دخوله إلى المعركة «تأخر»، وفي أحسن الأحوال ولم يعد بإمكان المعارضة لو حصلت عليه سوى «الحفاظ على مواقعها وتأخير تقدم قوات النظام»؛ كما يقول خبراء عسكريون.

تضارب واضح

بين إشارة الخارجية وما كشفته رايس، تضارب واضح. أو أن في الأمر عملية تغطية وتمويه. فالانتخابات على صوريتها، أدّت إلى خلق أمر واقع محرج لواشنطن. فهذا هو الأسد الذي كانت تقول الإدارة قبل أشهر إن أيامه باتت معدودة، يمدّد ولايته ويزحف على مواقع المعارضة الواحد بعد الآخر.

وزاد من الانكشاف، أن السفير الأميركي السابق في سوريا، روبرت فورد، أدلى بتصريحات عشية الاستحقاق الرئاسي؛ وضع فيها الملامة على إدارة أوباما باعتبارها تلكأت عن القيام بما كان يمكن أن يؤدي إلى واقع مختلف في سوريا. فلأول مرة يقول هذا الدبلوماسي الذي كان يدير الملف السوري ولغاية استقالته في آخر أبريل الماضي، إنه كان من الضروري تزويد المعارضة السورية «بالأسلحة الفتاكة» وغيرها. ويعزي عدم حصول ذلك إلى تشبث الإدارة بسياسته التي «بقيت على حالها»، بحيث تعذر عليه الدفاع عنها وبالتالي اضطر للاستقالة من منصبه.

إعلانه بأنه ترك اعتراضاً على جمود هذه السياسة، ترك أصداء واسعة بقيت تتردّد لأيام في وسائل الإعلام وتطارد الإدارة التي تعثرت في الرد عليه. خاصة في وزارة الخارجية، التي اكتفت بالقول إن السفير السابق بات الآن «مواطن عادي له الحق في إعطاء رأيه» بالموضوع. لكن الرجل يتحدث من موقع العارف بتفاصيل الأزمة السورية وحقيقة الموقف الأميركي منها. ولهذا كان نقده من النوع الكاشف الذي جاء مع التمديد للأسد، ليزيد من الضغوط على الإدارة التي شعرت بضرورة القيام بتحرك ما ورفع وتيرة خطابها. فكان تصريح رايس وزيارة الوزير كيري العاجلة إلى بيروت وتعليقه على نتائج الانتخابات.

تمرير رسائل

لكن برغم تصعيد النبرة، حرصت الإدارة على تمرير رسائل بأنها لم تغادر سياستها المعروفة. وكان أهمها ما جاء على لسان كيري الذي دعا إيران وروسيا وحزب الله للانضمام إلى ورشة الجهود الرامية إلى العثور على حل ينهي الحرب في سوريا.

وهي المرة الأولى التي تخاطب فيها واشنطن حزب الله كطرف وكوسيط محتمل في الأزمة. خليط من الإشارات التي يبدو أن غرضها زيادة كثافة الضباب حول اللاموقف الأميركي والذي لا يستبعد أن ينتهي إلى التعامل مع الأمر الواقع من باب أنه حاجة لبلوغ تسوية سياسية.