يبدو أن مسلسل انتخاب رئيس جديد للبنان يسير نحو نهاية مفتوحة، إذ تستمر الانعكاسات السلبية للشغور الرئاسي على عمل مجلس النواب والحكومة، أما الفراغ الذي «يقضم» المؤسّسات الدستورية، فيعطّل مصالح الناس، ولكون عدّاد الأيام لا يبدو أنه سيتوقف قريباً، كما حصل قبل انتخاب ميشال سليمان العام 2008، ولكون القوى السياسية سلّمت أمرها للفراغ الرئاسي، فإن ثمة خشية من تدحرج كرة الفراغ الى سلطتَي التشريع والتنفيذ، وأول غيث التداعيات كان أطلّ مع قرار بعض القوى السياسية تعطيل مجلس النواب، وسط القلق من احتمال انتقال الشلل إلى السلطة التنفيذية.

وفي وقت لا يزال الاستحقاق الرئاسي يدور في حلقة مفرغة، من دون أن تلوح في الأفق بعد أيّ بادرة أمل تقصّر أمَد الفراغ المرشّح للاستمرار، ويتهدّد الشلل العمل الحكومي بعد التشريعي، يبقى التركيز على الوضع الحكومي، على رغم الجدل حول مدى قابلية الحكومة للمضي في ملء الشغور واستلام الصلاحيات، في وقت تنصبّ المساعي على ألا يتحوّل أداء مجلس الوزراء إلى تخطٍّ لصلاحيات الرئيس، أو محفّز على التكيّف مع الفراغ الحاصل. مع الإشارة الى أن الحكومة، ومنذ الجلسة الأولى لها، اختلفت على تفسير انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إليها، وتكاد تفتح باباً جديداً على أسباب أخرى للانقسام بين قوى 8 و14 آذار، كما بين رئيس الحكومة وقوى 8 آذار، ازاء المرحلة الجديدة، أما رئيس الحكومة تمام سلام، فلوّح بتسمية الأشياء بأسمائها وكشف مَن الذي يعطّل.

تصريف أعمال

وفي أبرز المواقف التي أعادت إنعاش النقاش على خطّ مواجهة تعطيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، كان التحذير الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري، من أنه إذا بقي المجلس معطلاً ولم يمارس دوره الرقابي بالإضافة إلى الدور التشريعي، تصبح الحكومة بحكم المستقيلة، وبالتالي حكومة تصريف أعمال.

ولمن يعنيهم الأمر من «مقاطعجيّة» الدستور والقانون، وجّه بري رسالة مفادها: «لم يعد ممكناً السكوت. والذين استباحوا الدستور، سيسمعون مني ما لم يسمعوه من قبل». ومع الإقفال المتواصل لأبواب مجلس النواب أمام التشريع، لوّح برّي بتدابير حسيّة رداً على المقاطعة، قد يكشف عنها في جلسة الثلاثاء المقبل (جلسة سلسلة الرتب والرواتب).

وبحسب مصادر مقرّبة منه، فإن مضمون كلام الرئيس بري، ولا سيما تحذيره من واقع التسيّب الدستوري الناشئ عن مقاطعة السلطة التشريعيّة التي تعتبر أمّ السلطات والمسؤولة عن ممارسة الرقابة على الحكومة، و«إلا أصبحنا أمام نظام مقاطعجيّة وديكتاتورية مقنّعة»، يتقاطع بشكل أو بآخر مع مضمون الدعوات الى عدم تعطيل مجلسَي النواب والنواب، ولو تحت عنوان الحثّ على انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ووفق مصادر متابعة، فإن الرئيس برّي تقصّد أن يقول كلامه على مسمع من الجميع، سواء كانوا من صنف الحلفاء أو الخصوم: التشريع خطّ أحمر، ولن يكون لـ«المقاطعجيّي» مكان في مجلس النواب، أما ثاني الأهداف التي توخّاها بكلامه، فيكمن في كونه متحمّساً لاستمرار الحكومة في عملها، والعمل على تدوير الزوايا للحفاظ على دستوريتها. وفي المحصلة، وبحسب المصادر نفسها، فإن الرئيس بري استنهض، بكلامه، الشرّ المستطير وأعلن أن فترة السماح تكاد تنتهي وأن كيله أوشك أن يطفح.

وفي تفسير عملاني لهذا الموقف: العين بالعين، والحكومة بالمجلس، والبادئ بالتعطيل أظلم، أشارت المصادر الى تشديد الرئيس بري على أن النصّ الدستوري فقط هو الذي يحكم العلاقة والآلية، بالنسبة لمسألتَي صلاحيات الحكومة في ظل الشغور الرئاسي والتشريع، سواء في مجلس النواب من حيث التشريع أو في مجلس الوزراء، من حيث ضرورة التصرف بأن مجلس الوزراء مسؤول عن كل اللبنانيين ويتخذ القرارات في الوقت المناسب بشأن كل القضايا التي تهمّ الناس دون انتقائية، ودون اتخاذ شغور مركز الرئاسة سبباً لتعطيل أيّ مؤسّسة دستورية في البلد.

علامة استفهام

 

ردّاً على الموقف المسيحي الداعي لمقاطعة الجلسات النيابية، باستثناء جلسات انتخاب الرئيس العتيد، باعتبار أن المجلس لا يمكنه التشريع أو مراقبة العمل الحكومي في ظل الشغور، لفتت المصادر المقرّبة من الرئيس بري الى أن تعطيل المجلس النيابي يطرح علامة استفهام كبرى حول شرعية استمرار الحكومة، إذ عندما يسقط الدور الرقابي للمجلس على الحكومة، فهذا يعني أنه لدينا حكومة لا رقيب عليها، وهذا يعني الوصول الى مبدأ المعاملة بالمثل «تعطيل مقابل تعطيل».

ولفتت الى أن الرئيس بري عازم على مواجهة مقاطعي مجلس النواب، حتى النهـاية، ومن دون أي مسايرة، لأن بقاء المجلس مقفلاً سيجعل الحكومة مستقيلة وسيحوّلها الى حكومة تصريف أعمال، باعتبارها لا تخضع الى الرقابة البرلمانية.