بعد خمسة شهور من القتال العنيف في محافظة الأنبار خلفت خلالها عمليات الجيش الحكومي أكثر من ثلاثة آلاف مصاب وقتيل، وأكثر من مليون نازح، رأى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الطامح للبقاء في منصبه أن التعجيل بإنهاء هذه العمليات العسكرية التي لم تحقق طيلة الفترة الماضية أهدافها بات ضرورياً، لكن البعض يقول إن مبادرة شهر رمضان بالدعوة إلى عقد مؤتمر عام، للشيوخ من دون طرح رؤية محددة، ليست سوى دعوة لإلقاء الخطابات، والتحريض ضد أبناء الأنبار، اعتبرها كثيرون إعلان «نفير عام» ضد المعارضة المسلحة.

ما يؤيد ذلك، أن رئيس الوزراء نوري المالكي، اجتمع بعد هذه الدعوة مباشرة مع رئيس مؤتمر صحوة العراق أحمد أبو ريشة، وبحث معه إمكانية «تطويع» أكبر عدد من أبناء العشائر في القوات الأمنية لمواصلة الحرب. ويشير المراقبون إلى أن دعوة المالكي إلى عقد مؤتمر عام حول الأنبار، وإن رحبت بها بعض القوى، إلا أنها اعتبرتها، على العموم، مجرد كلام يقال، فيما الأفعال تعكس التخبط الحكومي، والفشل الكامل في تحقيق أي تقدم في المجالين السياسي والعسكري، ما يدفع المالكي هذه المرة للمتاجرة باسم الشهر الفضيل، والاستنجاد به، في الدعوة إلى نفير عام تحت مسمى «مؤتمر سلام».

ترحيب

وبالمقابل، تؤكد قيادات الجماعات المسلحة، وخاصة المجلس العسكري لعشائر الأنبار، ترحيبها بأي دعوة لمؤتمر سلام حقيقي، وهذا ما أوضحه أمير قبائل الدليم علي حاتم السليمان، مشيرا إلى أن أي مبادرة لحل الأزمة في محافظة الأنبار، يشترط فيها أولاً وقبل كل شيء، إعلان هدنة، وانسحاب الجيش، فيما اعتبر أن المحافظة «ساحة حرب ومنطقة منكوبة».

ويقول السليمان: «لا توجد مبادرة حالياً لحل الأزمة في الأنبار، ونرحب بأي مبادرة لحل الأزمة شرط انسحاب الجيش، ويكون هناك طرف ثالث ضامن». ويضيف أن أي «مؤتمر حقيقي حول الأنبار يفترض أن يجيب عن السؤال الأهم، وهو: مَن أشعل الحرب في الأنبار، وغيرها من المناطق».

وتمنع السلطات العراقية، وسائل الإعلام المستقلة، من نقل وقائع المعارك الدائرة في الأنبار، إلا أن البيانات الرسمية، على تناقضها، تكشف عن خسائر كبيرة تتكبدها القوات الحكومية، ومن يساندها، في وقت تنسب كل خصومها ومعارضيها، وحتى مئات الآلاف ممن شاركوا في ساحات الاعتصام إلى تنظيم القاعدة، إلا أن مسلحي الأنبار ينفون انتسابهم لذلك التنظيم، الذي ليس له تمثيل في المجلس العسكري لعشائر الأنبار، وإن كان له بعض الوجود غير الثابت في مناطق مشتتة.

استحالة الحسم

وبحسب سياسيين وعسكريين عراقيين، فإن القوات المسلحة الرسمية، لا يمكنها في أي حال من الأحوال كسب المعركة، التي وعد رئيس الوزراء نوري المالكي قبل أكثر من خمسة شهور بحسمها خلال أسبوع، كما وعد قائد عمليات الأنبار رشيد فليح، بحسمها خلال أسبوع، لكنه لم يتقدم شبرا واحدا، بل العكس هو ما حدث.

ولكون الجيش الذي يقاتل في الأنبار مكوناً من أبناء الجنوب، فهناك خشية كبيرة من تطور الأمور إلى حرب طائفية، غير أن العديد من السياسيين لهم منظور آخر، ويؤكدون أن المالكي لا يمكن أن يحقق نصراً في هذه المعارك، إلا أن توقيتها كان مؤشراً لدوافع سياسية على حساب دماء أبناء الشعب الشيعة أولاً، وأبناء الشعب العراقي عموماً. فيما يبدي مواطنو مدينة الفلوجة، ولا سيما الناشطون في الحراك الشعبي منهم، استغرابهم لطرح مبادرات ومؤتمرات بهدف التوصل إلى صيغة مقبولة لإنهاء أزمة الأنبار، مشككين في إمكانية «حكومة تصريف الأعمال» التوصل إلى قرار مقنع الآن، بعد كل الدماء التي أريقت.

 

سحب الجيش

أكد النائب عن ائتلاف «متحدون» للإصلاح طلال الزوبعي، أن نجاح مؤتمر الوحدة الوطنية الذي دعا إليه رئيس الحكومة نوري المالكي، مرهون بسحب قوات الجيش من المحافظة. وقال الزوبعي إنه «إذا كان المالكي هذه المرة جاداً في إنجاح مؤتمر الوحدة الوطنية، فعليه تنفيذ المطالب التي قدمها المتظاهرون وائتلاف متحدون لهب، وسحب قوات الجيش من المحافظة وتسليم الملف الأمني إلى الشرطة المحلية، وهي من تتولى حماية محافظة الأنبار».