بعد انتهاء عاصفة الانتخابات دخل العراق وشعبه في عاصفة المهاترات والمناوشات بين الكتل السياسية التي حققت نصيباً كبيراً في البرلمان العراقي، فكل كتله لها رأي في نوعية الحكم، الذي سوف يكون خلال السنوات الأربع المقبلة، فهناك من ينادي بحكومة الشراكة الوطنية، وهناك من يطالب ويريد حكومة الأغلبية، فيما يبقى الشعب الذي شارك بقوة في الانتخابات التشريعية لا رأي له فهو يستخدم كآلة انتخابية فقط من دون إشراكه في القضايا المصيرية، لكن الشيء اللافت أن الشعب العراقي جرب الاثنين معاً «الشراكة والأغلبية»، وكانت نتيجتهما واحدة الاستفراد في الحكم من طرف شخصية واحدة وهو ما يدعو للتساؤل حول استمرار اللغط السياسي.
تتحدث جميع الأطراف عن الكيفية التي يدار بها الحكم، كل حسب وجهة نظره دون أن يكون المواطن ومصلحته العليا في العيش الأمن والتطور الحضري نصب الأعين، حيث ينتظر على الهامش خارطة جديدة للتحالفات عابرة على الأزمات والتخندقات مع سماعه نغمة التهديدات بشكلية الحكومة الجديدة وهيكليتها من حيث هي حكومة أغلبية سياسية أم حكومة شراكة وطنية، وبين ارتعاد فرائص الطرف الثاني من إمكانية تحول الأغلبية السياسية إلى أغلبية طائفية أو سيادة وتسلط بعض ملامحه ظاهرة وبعضها مزعوم، وبين ارتعاد فرائص الطرف الأول من أن تكون الشراكة الوطنية عودة للمحاصصة المقيتة التي ألغمت وفخخت الواقع السياسي العراقي وأفرغت قدرة صنع القرار الناجز من محتواها الموضوعي بالمزيد من أسباب التهديد بالانفجار والحرب الأهلية نتيجة عدم رضا جميع الأطراف المشتركة بالحكومة والبرلمان.
قتل ودمار
لقد عاش الشعب العراقي منذ التغير إلى هذه الأيام في ظل حكومة الشراكة الوطنية، هذه الحكومة التي اشترك فيها الجميع من أكراد وعرب سنة وعرب شيعة وتركمان ومسيح وبقية الفئات العراقية طبعاً من خلال قوائمهم السياسية كالتحالف الكردستاني والقائمة العراقية والتحالف الوطني، وجعلوا من هذه الحكومة عبارة عن حزمة متنوعة جميلة من مكونات الشعب العراقي، وقد أجمعت هذه الحكومة الجميع بكل ما يحملون من أفكار ومبادئ في كثير من الأحيان تكون مختلفة ومتقاطعة بل متضاربة مع بعضها البعض، مما جعل هكذا حكومة تعيش كل أيامها في أزمات وانتكاسات مما انعكس على الشارع العراقي الذي لم يجنِ من هذه الحكومة غير القتل والدمار وتوقف الحياة في كل شيء بالإضافة إلى انتشار الفساد الإداري والمالي وسوء الخدمات، ولم يكن هناك رقيب أو محاسب لأن الجميع يشترك بالحكومة.
تشويه مفهوم الديمقراطية
كما أن تشكيل حكومة أغلبية سياسية لن يختلف عن ما يسمى الحكومة الوطنية أو حكومة الشراكة الوطنية الناقصة لأن العراق بلد شوه مفهوم الديمقراطية بفعل التفسيرات التي يفسرها أصحاب الشأن أي أصحاب القرار في السلطة وكل واحد من هؤلاء يُفسر حسب مشيئته وأهوائه ويقيس المسافة ما بين البقاء في السلطة أو الاقتراب منها وليس الخروج منها.
فإن الخلاف الثانوي يبرز بعدها ليكون الرئيسي ويستأثر من يستأثر بالحصة أو الغنيمة السلطوية الأكبر، ولهذا إذا ما شكل رئيس الوزراء حكومة ذات أغلبية سياسية فهي ستكون ناتجة عن اتفاقيات جديدة، فائتلاف دولة القانون ولا «العراقية» ولا الائتلاف الوطني، وقد تتفق عدة أحزاب وكتل صغيرة تخضع للقرار الأكبر وتوافق على التقسيم الذي قد يشملها بهذه الوزارة أو تلك وبهذا عدنا إلى المربع الأول، وهو تربع رئيس الوزراء على الحكم الانفرادي وعدم استشارته أحد، وهو ما لمسه المواطن أيضاً في حكومة الشراكة على مدار أربع السنوات الماضية، حيث استفرد رئيس الوزراء العراقي بالحكم لوحده بتهميش باقي التشكيلات الأخرى التي ساهمت في حصوله على ولاية ثالثة.
السيستاني يريدها حكومة مكونات
حدد المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني أمس للمتفاوضين السياسيين شكل الحكومة المقبلة مؤكداً على ضرورة أن تكون حكومة مكونات لا حزبية ولا مناطقية، ودعا سلطات بغداد واربيل الى حل خلافاتهما النفطية بالاحتكام الى الدستور والمحكمة الاتحادية، وطالب بتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين ومحاربة الفقر والبطالة. من جانبه شدد الشيخ معتمد المرجع الشيعي الأعلى عبد المهدي الكربلائي في خطبة الجمعة بمدينة كربلاء (110 كيلومترات جنوب بغداد) أمس على ضرورة اعتماد أسس عامة لدى تشكيل الحكومة العراقية المقبلة تقوم على إشراك جميع مكونات الشعب فيها لإدارة البلاد من أجل طمأنة هذه المكونات بأنها تمارس دورها في هذه الإدارة، وأنها غير مهمشة ولا يمارس ضدها أي إقصاء. وأوضح أن هذا التشكيل يجب أن يأخذ في الاعتبار الكفاءة والنزاهة بعيداً عن الاختيار الحزبي أو المناطقي. وأكد الكربلائي على «ضرورة إشراك جميع القوى في الرأي، ثم الحزم في ما يصب في اتخاذ القرارات التي تهم مصير الشعب العراقي مشدداً على اختيار الأكفأ والأخلص لدى تعيين الوزراء ومعاونيهم.