مما لا شك فيه أن معضلة اختيار رئيس الوزراء العراقي بالدرجة الأساس هي بيد اللاعبين الرئيسين في العملية السياسية العراقية، منذ بدايتها ولحد الآن، وهي: إيران والولايات المتحدة الأميركية، والمرجعية الدينية التي تدير التحالف الشيعي في العراق، كما أن التوافقات السياسية بين شركاء الوطن، التي انعكست في عدد من بنود الدستور، هي الأخرى تحول دون ذلك.
وسببها أن الأغلبية والأقلية ليست سياسية بالمعنى المتعارف عليه في دول العالم الديمقراطي، وإنما هي دينية ومذهبية، وهذا ما يعقّد الأمور دائماً بعد كل عملية انتخابية في العراق، حيث نجد أنه بعد أسبوعين من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية يظهر أن تولّي المالكي ولاية ثالثة دخل في المزاد الأميركي والإيراني، فيما نأت المرجعية بنفسها عن أي تدخل. ولا يختلف اثنان على أن الكتل السياسية حتى لو اتفقت في ما بينها على نوعية الرئيس ومواصفاته العامة فإن للاعبين الثلاث الكلمة الفصل في اسم المرشح، ومباركة عمله والبدء معه في جولة مباحثات أهمها المصالح الخاصة والعامة لهما.
تراجع أميركي
في الانتخابات الأخيرة نستطيع القول إن هناك تراجعاً طفيفاً من قبل الولايات المتحدة في إصرارها، وتعنتها حول اسم المرشح والقبول بأية شخصية تحقق مصالحها وتعمل وفق الخطط العامة المرسومة للسياسة الدولية في العراق، لكنها في المقابل حريصة على بقاء رئيس الوزراء العراقي، وفوزه بولاية ثالثة بالنظر لعدم قدرته على بسط الأمن والعودة دائماً للاستشارة الأميركية في كل كبيرة وصغيرة.
أما إيران فهي اللاعب الأهم في هذه المرحلة من خلال سلسلة المباحثات التي أجرتها مع قادة الكتل السياسية الشيعية بالخصوص على اعتبار أن منصب رئيس الحكومة محجوز سلفاً للتحالف الشيعي، الذي يضم بين طياته أطرافاً متناحرة ومتخالفة وهناك من وضع خطوطاً حمراء على تولي أشخاص بحد ذاتهم.
الأفضلية لإيران
إيران الآن تناقش الأطراف الثلاثة الأقوى في معادلة الأرقام، ومعادلة الشارع الشيعي، وهم ائتلاف دولة القانون (نوري المالكي)، وائتلاف المواطن (عمار الحكيم)، وائتلاف الأحرار (مقتدى الصدر). وهي لا تريد أن تخسر أياً منهم لاعتبارات عديدة طائفية وشعبية وتاريخية وغيرها، فهي تلعب على جميع الاحتمالات.
وتحاول الخروج بأقل الخسائر من هذه العملية المعقدة التي خلقتها الأرقام المتقاربة بين كتلتي: المواطن والأحرار من جهة وكتلة المالكي من جهة ثانية؛ إذ إن الأرقام تشير إلى عدم قدرة طرف من دون آخر من تكوين حكومة، وكل كتلة تحاول إقناع إيران أنها قادرة على جمع المناصرين من كتل أخرى لتشكيل الحكومة القادمة.
رهان على التحالف
كما أن كل الأطراف السياسية الأخرى مسمّرة عيونهم اليوم صوب التحالف، بانتظار ما ستنتجه الحوارات المكثفة بين مكوناته، ولذلك فإن عجلة العملية السياسية ستظل متوقفة ما لم يتفق التحالف مع نفسه، فالأغلبية متفقة على عدم التجديد للولاية الثالثة، ما جعل الكرة بملعب التحالف الوطني، والاختبار أصبح صعباً، في اختيار البديل، لاسيما بعد تمسك «دولة القانون» بمرشحهم الوحيد المالكي.
المرجعية تنأى بنفسها
كما أن أن قرار المرجعية بعدم التدخل في العملية السياسية أبعدها عن القرار السياسي وأبقاها سلطة روحية، فالشعب العراقي ينظر إلى مصالحه في هذه الدنيا والخدمات التي يحتاج إليها، التي لا تستطيع ولا تريد المرجعية أن تكون جزءاً منها، بل إنها تقول للناس «تحملوا مسؤولية قراركم ولا تطرقوا بابنا للتأفف أو للشكوى على مَن اخترتموهم أنتم في الانتخابات».
ولهذا فإن تراجع المرجعيات أو دعم أحد منها لهذا المرشح أو ذاك لن يغيّر كثيراً في مجرى الأصوات المتوقعة للتكتلات النيابية القوية، ما يجعل الاعتقاد السائد أن الكرة ستكون في ملعب التحالف لاختيار رئيس الحكومة. مناشدة النجيفي
ودعا رئيس مجلس النواب العراقي، رئيس ائتلاف متحدون للإصلاح أسامة النجيفي، المرجع علي السيستاني إلى التدخل لاختيار رئيس الوزراء المقبل، وأكد رفضه لمبدأ الولاية الثالثة لأي شخصية سياسية.
وقال النائب عن الائتلاف طلال الزوبعي إن النجيفي بعث برسالة إلى المرجع السيستاني شدد فيها على «ضرورة إنهاء سياسة التهميش والإقصاء وتحقيق التوازن والعدل بين العراقيين من دون تميز بين طائفة أو أخرى».
ذكاء الصدر
وفي قراءة خريطة القوى السياسية وتوجهاتها حيال الانتخابات وما بعدها، كان لافتاً أن زعيم الصدريين، مقتدى الصدر، أعلن في شكل مفاجئ قبل مدة انسحابه من العملية السياسية «لعدم رضاه عن أداء الحكومة والسياسيين»، إلا أن هذا الإعلان الذي أتى بعد أربعة أعوام من مشاركته في الحكم من خلال نوابه الـ40، ووزرائه، جاء متأخراً وإن دل على شيء فعلى اقتناعه بأن خطوة كهذه ستُحسب له (خطأً) على أنها دهاء سياسي.
فمن الطبيعي ألا يحصل الصدر على 40 نائباً في هذه الدورة، وإن حصل على النصف (اقل أو اكثر) سيُعدّ إنجازاً، لذلك فإنه أراد وفي خطوة استباقية «تبرير» هذه الخسارة المتوقعة ولحاق ركب المرجعية في النجف - الذي هو فقط يعتبر نفسه جزءاً منها- بانتقاده أداء الحكومة التي كان جزءاً منها.
10 أسباب
ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أن ثمة أسبابا تحول دون فوز نوري المالكي بولاية ثالثة لمنصب رئيس وزراء العراق، أولها خسارته لدعم المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، بسبب فشل الحكومة في إيقاف العنف، وثانياً رجوع المالكي إلى سدة الحكم سيزيد من التوتر الطائفي. وأضافت الصحيفة أن «السب الثالث هو أن عودته سيرفع احتمالات الحرب الأهلية، كما أن السبب الرابع يتمثل في تشبث المالكي بالسلطة، ما سيجعل تحالفاته مربكة وغير موثوقة».
وأوضحت «نيويورك تايمز» أن «السبب الخامس يتمثل في أن رجوعه يعني ازدياد التدهور في علاقة الحكومة بالمكونات الأخرى، الكردية والسنية، وسادساً، فإن بقاءه يعني استمراره في قمع معارضيه». ومضت الصحيفة أن «السبب السابع تقارير منظمات حقوق الإنسان حول انتهاك حكومته للحقوق الأساسية، بالاعتقالات الطائفية»، ولفتت إلى أن السبب الثامن هو تفشي مستوى الفساد، وتاسعاً عدم تمسك إيران بشخص المالكي، بل تمسكها بقوة الشيعة في العراق». وختمت بأن «السبب العاشر، وجود قائمة طويلة من البدائل في قائمة المالكي، وقوائم خصومه».