لا تكاد تمر مناسبة تهتم بموضوع العلاقات الوطنية بين الأكراد وبغداد، إلا ويحرص رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني على انتقاد الحكومة العراقية والتهديد بالانفصال في حال فوز رئيس الوزراء نوري المالكي، ما عد التحالف الكردستاني بوصف رئيس الإقليم بأنه «شوكة عالقة في حلق المالكي»، ما يظهر أن الأكراد نفضوا أيديهم نهائياً من المالكي الذي سبق أن فاز بالولاية الثانية بتضافر وتوافق إرادات أميركية - إيرانية كردية.
تهديدات بارزاني بالانفصال ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن أطلقها في مناسبات عدة، لكنه لم ينفذها، فضلاً عن عدم خلقها حالة ضغط كبيرة على حكومة المالكي تدفعها إلى الاستجابة لمطالب الأكراد طيلة السنوات الثماني الماضية. لكنه حريص اليوم على التهديد بالانفصال من باب غلق الأبواب كلياً على المالكي للفوز بولاية ثالثة، بحيث إن رئيس الوزراء سيكون مجبراً على مهادنة رئيس الإقليم
ضغط من أجل مكاسب
هنا تضغط الكتل الكردية بمطالبها التعجيزية على ائتلاف دولة القانون بشكل مباشر، وذلك لدرايتها التامة بأن الائتلاف حقق نصراً كبيراً في الانتخابات، ومن ثم سيحقق الأغلبية، ولأن رئيس الإتلاف نوري المالكي هو الشخصية الأقرب إلى التكليف بتشكيل الحكومة القادمة في العراق، فإن الضغط على رافض حكومة «الشراكة» لمصلحة حكومة «أغلبية» سيقصيهم بطريقة أو بأخرى من الحكومة، أو يضعهم بشكل غير فعال، الأمر الذي لا يرحب به الأكراد.
ومع أن المالكي عرّف في وقت سابق برأيه في حكومة الأغلبية باعتبارها أغلبية سياسية و ليست عرقية، تشكل حكومة تقنية قادرة على إدارة العراق، و لا تقوم على المجاملات السياسية، لكن الأكراد يقولون بسذاجة سياسية، إما تقبل برأينا ونحن أقلية، أو نعطل العراق.
ويرى مراقبون أن رئيس إقليم كردستان يسعى بعد إعلان نتائج الانتخابات للانضمام إلى تحالف يضم بعض الكتل التي عن طريقها يستطيع الحصول على ما يطمح إليه في الحكومة المقبلة، ولقطع الطريق أمام حكومة أغلبية سياسية.
مشاعر عدائية
وفي الكثير من الحالات يضطر بارزاني إلى إذكاء المشاعر العدائية في مواجهة حكومة بغداد، لأنه يدرك أن عدم الرد يضعف مركزه القيادي معنوياً، ويفتح الطريق للتململ في صفوفه، لذا فهو يلجأ إلى إطلاق تصريحات معادية للمركز للحفاظ على شعبيته. ويدرك بارزاني أن انفصال الأكراد سيثير حفيظة الدول المجاورة، خصوصاً تركيا، وبالتنسيق مع إيران، على إشعال نار الاضطرابات في الإقليم، بهدف إشعار الأكراد في إيران وتركيا بأن الانفصال عن الدولة لا يجنون منه سوى الحروب والخراب ، وعليهم ألا يفكروا فيه إطلاقاً، وتفضيل العيش في كنف الدولة الكبيرة التي تصون لهم أدنى حقوقهم، أي أن انفصال أكراد العراق يقدم مثالاً سيئاً وتجربة فاشلة للأكراد الذين يعيشون في الدول المجاورة، وبهذا سوف يتخلون عن مطامعهم في إقامة دولتهم الكردية الكبرى. وهنا سيجد الأكراد أنفسهم مضطرين إلى التحالف مجدداً مع شيعة العراق، ولكن بشروطها هذه المرة.
حوافز لتركيا
وكان بارزاني قدم حوافز قوية لتركيا للابتعاد عن بغداد: تدفق منتظم لأكثر من مليون برميل من البترول يومياً من خلال مجموعة من الأنابيب المباشرة التي يتم بناؤها حالياً و منطقة عازلة كردية سنية على الحدود الجنوب شرقية لتركيا ضد حكومة المالكي، ومساعدة حكومة كردستان المستقلة على منع المتمردين الأكراد من الامتداد إلى المناطق الكردية في سوريا. بالنسبة إلى تركيا، سوف تكون مخاطر تأييد أكراد العراق هائلة. فسوف يعزز وضع العراق المفكك مساعي إيران للهيمنة الإقليمية، ويعزز وجود دولة مستقلة في كردستان العراق من أوضاع الأقلية الكردية في تركيا. من ثم فإن الزعماء الأكراد يواجهون معضلة جدية. فهم لا يستطيعون التنبؤ بنتائج الأزمة في سوريا .
حرب على الإقليم
اعتبر التحالف الكردستاني، أمس، أن حرب المركز على الإقليم لا تقل جريمة عن حروب رئيس النظام السابق صدام حسين، مشيراً إلى أن العقوبات التي فرضت على كردستان، جاءت للتغطية على فشل بغداد بإدارة ملف الطاقة.
وقال النائب عن التحالف حميد بافي إن «إقليم كردستان تعرض إلى عقوبات من قبل المركز منذ بداية العام الحالي، كان آخرها قطع رواتب موظفي الإقليم»، مبيناً أن «إصدار هذه العقوبات بحق الإقليم من قبل حكومة المركز يمثل حرب عشواء على الأكراد».