ثمّة تساؤلات عن هذا الظهور شبه المفاجئ للضابط الليبي خليفة حفتر، الذي يقود معارك متنقلة بدأت في بنغازي وانتقلت بعد يومين إلى العاصمة، بل إلى البرلمان الذي نزع عنه حفتر الشرعية، مانعاً إياه من الانعقاد بالتزامن مع جلسة عقدها الأخير منح فيها «الثقة» لرئيس الحكومة المكلّف أحمد المعيتيق، المقرّب من حركة «الإخوان».

لا يحتاج الأمر كثير عناء لفهم خلفيات وأبعاد ظاهرة حفتر، إذا جاز التعبير، ففي تجارب الآخرين، وبخاصة دول الجوار، ما يكفي من دلائل يضخّها الواقع في قربة الإجابة.

فليبيا ليست مجرد جارة لمصر، بل تدخل معها في تقاطعات عديدة يطفو على سطحها في هذه المرحلة تحديات أمنية وتكفيرية، ومثلما كانت الحراك الشعبي متتابعاً في البلدين، فإن محاصرة ذيول السطو الانتهازي على السلطة تأخذ الشكل نفسه تقريباً، ليس فقط بالحاجة إلى دور ضروري للجيش، بل في استنساخ أدوات التحريك الشعبي، كولادة حركة «تمرد» ليبية على غرار شقيقتها في مصر.

اختلاف وتشابه

ومع بعض أو كثير من الفوارق، يبدو أن الظروف التي أخرجت المشير عبدالفتاح السيسي إلى سطح المشهد المصري، أخرجت اللواء حفتر إلى سطح المشهد الليبي. كلاهما ترعرعا في الجيش، وهي المؤسسة التي يرى الناس فيها الملاذ الأخير لمواجهة الفوضى واستعادة الأمن كأحد أهم شروط الحياة.

في مصر كان الإخوان البديل الوحيد المنظم، لكن تبيّن بعد سنة من الحكم أن البديل النظري لا يصلح دائماً كبديل واقعي. لذلك سقط حكم الإخوان، ولم يكن الجيش المصري بقيادة المشير السيسي في حينه سوى أداة الضرورة لتصحيح المسار الذي رسمته انتفاضة 25 يناير.

صحيح أن أوضاع مصر صعبة وتحدياتها جمّة، لكنها لم تخرج عن سكّة كونها دولة بمؤسسات وخارطة طريق وقيادات مؤقتة وأقدام تمضي ولو على الأشواك.

البديل

في المقابل، لم يكن في ليبيا أي بديل متبلور وجاهز بعد سقوط النظام، لا جيد ولا سيىء، الجيش تفكك على طريقة العراق، وجهاز الشرطة تبخّر على طريقة نظيره المصري خلال انتفاضة يناير. وعندما يغيب هذان الجهازان من ثنايا شعب لم تتكون لديه الصيرورة الديمقراطية، يصبح كجسد لحمي من دون هيكل عظمي. لذلك، كان البديل الوحيد هو الفوضى والانفلات الأمني وسيطرة الميليشيات.

صحيح أن الشعب يكتنز سيلاً من الطاقات والمفاجآت، لكنه مع ذلك لا يستطيع أن يقود نفسه، ولا بد له من قيادة، إذ لم يعرف التاريخ تجمعاً بشرياً واجه متطلبات حياته من دون تنظيم وتوزيع أدوار، ولو على نحو فطري يفرضه صراع البقاء. الشعب الليبي ليس استثناء، حيث تعاني بلاده من فوضى لو توزعت على خمس دول عظمى ألقت بها كلها إلى التهلكة.

بين تجربتين

ومن يتابع أوضاع ليبيا يتذكّر وجع مواطني أوروبا الشرقية بعد انهيار منظومتهم كارتدادات تلقائية لزلزال الانهيار السوفييتي. هؤلاء كرّروا مراراً القول «إن نظاماً سيئاً أفضل من لا نظام». لذلك فإن الحراك الشعبي حتى يكون ناجحاً مرهون بإعداد خطط لليوم التالي بعد إسقاط نظام قائم.

ولا يختلف المراقبون وهم يتابعون أوضاع ليبيا على وصفها بالفوضى العارمة التي شكلت أساساً طبيعياً لوضع اللادولة، حيث الانعدام الكامل للأمن لدرجة أن حياة الناس باتت أرخص من رصاصة في سلاح مقاتل ميليشيوي لا يعرف لماذا يقاتل ولأجل من.

 

حفتر في سطور

 

اللواء خليفة حفتر (71 عاماً)، خريج الأكاديمية العسكرية في بنغازي، تدرب في الاتحاد السوفييتي السابق. شارك في انقلاب 1969 الذي حمل معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا. كان خلال الحرب الليبية التشادية (1978-1987) على رأس وحدة حين أسرته القوات التشادية.

وبعد أن اختلف مع القذافي غادر ليبيا بطريقة مجهولة حتى اليوم وحصل على اللجوء السياسي في أميركا، إلى أن شارك في الثورة ضد العقيد في العام 2011.

في فبراير الماضي نشر حفتر «فيديو» على مواقع الإنترنت أعلن فيه «مبادرة» تنص على تعليق عمل (البرلمان) والحكومة وكل السلطات الانتقالية. وعاد هذا الشهر باعتباره قائد «الجيش الوطني» معلناً «معركة الكرامة» ضد الميليشيات الإسلامية المتشددة والتكفيريين، معتمداً على ضباط سابقين ودعم من مجالس عسكرية في المناطق وعشرات النواب وتظاهرات شعبية مؤيدة.