«الوطن استدعى المصريين، وعليهم أن يُلبوا النداء»، كلمةٌ ترددت يومياً بمصر، خلال الفترة الأخيرة، إذ إن المصريين اليوم على موعد من الاستحقاق الثاني من خريطة المستقبل، ويعد الأهم، خاصة أنه يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، وهنا أكد محللون وسياسيون أن المصريين على قدرٍ كبيرٍ من الوعي والذكاء.
وبالتالي فمن المتوقع أن يتوافدوا على صناديق الاقتراع، لإثبات تمسكهم بخريطة الطريق، ودحر دعوات المقاطعة التي انطلقت من المعسكر الإخواني الرافض التطورات السياسية المصرية.
وبالرغم من الدعوات العديدة لمقاطعة الانتخابات، خلال الأسابيع الماضية، منها دعوة حركة «شباب 6 أبريل»، ومن معها من حركات متحالفة، فضلاً عن دعوة إخوانية، فإن مراقبين قللوا من إمكانية تأثير تلك الدعوات، مؤكدين توقعاتهم بكثافة تصويتية تترجم مدى حرص المصريين على التأكيد على شرعية 30 يونيو، فضلًا عن حرصهم التام على بناء مستقبل الوطن.
وفي هذا السياق، أكدت البرلمانية السابقة مارجريت عازر لـ«البيان»، أن الكثافة التصويتية التي ظهرت بوضوح في مرحلة تصويت المصريين بالخارج هي مقدمة ومؤشر واضح لما سوف يكون عليه الوضع داخل مصر، وراهنت على «وعي وإدراك شعبي مصري لطبيعة التحديات»، وقالت، إن ما يروّجه أنصار الرئيس المعزول، وجماعة الإخوان من ادّعاءات لا أساس لها من الصحة الآن.
وكان المصريون قد شاركوا في 7 استحقاقات انتخابية عقب ثورة يناير 2011، منها استحقاق واحد فقط عقب ثورة 30 يونيو، كانت نسبة المشاركة الأكبر في الانتخابات التشريعية، التي أجريت في يناير 2012، التي شارك فيها 54 في المئة من الكتلة التصويتية، بينما كانت نسبة المشاركة الأقل في انتخابات مجلس الشورى في العام نفسه، إذ شارك فيها 10 في المئة فقط من الكتلة التصويتية.
بينما شارك في الاستفتاء على الإعلان الدستوري في العام 2011 عقب تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك 41 في المئة.
فيما شاركت نسبة 46 في المئة في التصويت بجولة الانتخابات الرئاسية الأولى في العام 2012، التي تنافس فيها 13 مرشحاً، أما في جولة الإعادة في الانتخابات ذاتها، فشارك 51 في المئة، بينما شارك 33 في المئة في الاستفتاء على دستور الإخوان 2012، وأخيراً شاركت نسبة 38.6 في المئة في الاستفتاء على الدستور المعدل في العام الحالي.
من جانبه، قال البرلماني السابق البدري فرغلي لـ«البيان» إن «أصوات المصريين سوف توجه كسهمٍ إلى قلب المعادين لمصر»، لافتاً إلى أن كل الدعوات التي خرجت ودعت إلى مقاطعة الانتخابات هي دعوات هدفها إحباط المصريين، إلا أن ذلك لن يتحقق بشكل أو بآخر لأن المصريين يدركون الظروف الحالية جيداً، متوقعاً نسب مشاركة كبيرة في الانتخابات.
وبحسب مراقبين، فإن مشاركة المصريين في السباق الانتخابي بكثافة تؤكد وجود التفاف شعبي حول خريطة الطريق، وتأكيداً على ثورة 30 يونيو الشعبية، ودحراً لادعاءات الإخوان التي تتحدث عن وقوع «انقلاب عسكري» بمصر، ما يعني أن كثافة التصويت سوف تجبر الدول التي لديها تحفظات أو تعليقات مناهضة ضد مصر، لأن تعترف بالإرادة الشعبية المصرية، التي تجلت في 30 يونيو، ويتم التأكيد عليها من خلال الحشود المشاركة في الانتخابات.
نسب مُشاركة
41 %
الاستفتاء على الإعلان الدستوري (مارس 2011).
54 %
الانتخابات التشريعية (يناير 2012).
10 %
انتخابات مجلس الشورى (فبراير 2012).
46 %
الانتخابات الرئاسية 2012 - الجولة الأولى.
51 %
الانتخابات الرئاسية 2012 - جولة الإعادة .
33 %
استفتاء دستور 2012.
38.6 %
استفتاء الدستور المعدل (يناير 2014).
صباحي مرشح يستند إلى شعارات برّاقة
يحاول القيادي اليساري حمدين صباحي العزف على أوتار شعارات ثورة 25 يناير، في محاولته الثانية للوصول لكرسي الرئاسة التي تصطدم بالشعبية الجارفة لقائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي الذي يبدو فوزه شبه محسوم في هذه الانتخابات.
خطاب صباحي، المناضل والمعارض المخضرم، يستند إلى شعار «خبز، حرية، عدالة اجتماعية» المطالب الرئيسية التي نادت بها هذه الثورة عام 2011، لكن بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية بات الشاغل الرئيسي لملايين المصريين هو الاستقرار الذي يرون أن السيسي، رجل البلاد القوي، هو الأقدر على تحقيقه.
وفي طريقه لمؤتمر انتخابي في مدينة المنصورة، الدلتا، قال صباحي: «عزلنا رئيسين لكن مصر لم تهدأ بعد» حيث تقع يوميا أعمال عنف. وأضاف: «لن تهدأ مصر إلا إذا أصبحت دولة ديمقراطية. لذلك من الضروري أن يكون هناك مرشح يجسد الأفكار الثورية وهذا ما نفعله».
ولطالما أكد صباحي، القيادي اليساري، على انه يسير على خطى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أطاح بالملكية في العام 1952 والذي تخطت شعبيته حدود مصر لتشمل العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج مع فكرة القومية العربية.
هنا أيضا يصطدم المرشح اليساري بالكاريزما القوية لمنافسه قائد الجيش السابق الذي اعلن أبناء عبد الناصر انفسهم تأييدهم له.
لعب صباحي (60 عاماً) دوراً بارزاً في الثورة التي أسقطت مبارك بعد اعتصام دام 18 يوماً في ميدان التحرير في 11 فبراير 2011. وحل ثالثا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2012 وفاز فيها محمد مرسي.
وبعد أن أصدر مرسي، إعلاناً دستورياً يمنح به نفسه سلطات واسعة في نوفمبر 2012، تشكلت ضده جبهة معارضة واسعة كان صباحي احد قادتها كممثل للتيار الشعبي الذي أسسه في سبتمبر 2012.
وفي مواجهة الشعبية الواسعة للسيسي يحاول صباحي، صاحب الشعر الأبيض المميز، العزف على أوتار شعارات ثورة يناير مشدداً على انه هو الذي يجسدها ومطالبا القوى الثورية والشباب الذين شاركوا في الثورة بالتوحد خلفه لإنجاح أهداف هذه الثورة.
يعد صباحي بتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع مستوى معيشة المصريين وإن كان من غير الواضح كيف سيتمكن من تحقيق ذلك في ظل الظروف الاقتصادية المتردية التي تشهدها البلاد بسبب الاضطرابات.
لصباحي المولود في العام 1954، لأسرة بسيطة في محافظة كفر الشيخ، شمال الدلتا، تاريخ من النضال الطلابي بلغ ذروته في مناقشة حادة مع الرئيس الراحل أنور السادات في العام 1977 منحته شعبية كبيرة بين المصريين.
بعد اغتيال السادات بقي صباحي في صفوف المعارضة وأسس حزب «الكرامة» الناصري الذي رفضت السلطات في عهد مبارك الاعتراف به.
شغل صباحي مقعداً برلمانياً مرتين في عامي: 2000 و2005 لكنه انسحب قبل جولة الإعادة في انتخابات 2010 التي شهدت تزويراً واسعاً لصالح الحزب الوطني الحاكم آنذاك.
مسيرة
يقول حمدين صباحي إنه سجن 17 مرة خلال مسيرته المعارضة، منها مرة في سبتمبر 1981 ضمن مجموعة السياسيين والمفكرين الذين اعتقلهم السادات، وأخرى في العام 2003 أثناء اعتراضه على الغزو الأميركي للعراق.
تخرج صباحي من كلية الإعلام بجامعة القاهرة في العام 1976 وعمل صحافياً في عدد من الصحف الناصرية والعربية قبل أن يتولى رئاسة تحرير صحيفة «الكرامة» الناطقة بلسان حزبه. لصباحي ابن يعمل مخرجاً وابنة تعمل مذيعة تليفزيونية.
السيسي مرشح صلب ذو شعبية جارفة
لم يضطر قائد الجيش السابق المشير عبدالفتاح السيسي إلى بذل مجهود كبير في حملته الانتخابية للرئاسة المصرية حيث يحظى بشعبية واسعة لا ينازعه فيها أي سياسي آخر منذ ثورة العام 2011 التي أطاحت حسني مبارك.
صوره التي تزين كل الشوارع والمتاجر تقريباً منذ 11 شهراً تغيرت من صورة الجنرال صاحب البذلة العسكري المزينة بالأوسمة الحاد النظرات خلف نظاره شمسية داكنة إلى صورة الرجل المبتسم الوجه في بذلة مدنية أنيقة وذلك منذ أن اضطر في مارس الماضي إلى ترك الجيش لتقديم ترشحه لانتخابات الرئاسة.
لكن خلف مظهره الهادئ الذي رأى فيه المصريون دليلاً على الثقة بالنفس، تختبئ شخصية ضابط عنيد خاض من دون أن يهتز مواجهة مع جماعة الإخوان الإرهابية.
عزل السيسي الرئيس محمد مرسي القيادي في الجماعة، في الثالث من يوليو 2013 بعد نزول ملايين المصريين إلى الشوارع يطالبونه بالتدخل لإنهاء حكم الإخوان، مؤكداً أنه لبى بذلك إرادة الشعب.
وفي الواقع كان قراره إطاحة مرسي السبب الرئيسي في شعبيته إذ رأى فيه المصريون دليلاً على الشجاعة والإقدام بعد عامين ونصف من الاضطرابات.
وحتى منافسه الوحيد على مقعد الرئاسة حمدين صباحي يعترف بأن «شعبيته جارفة» وبأنه صار «بطلاً شعبياً».
وخلافاً للزعامات التقليدية، لم يكتسب السيسي هذه الشعبية معتمداً على الخطب الرنانة أو اللهجة الحماسية وإنما هو على العكس يتحدث دوماً بصوت خفيض وبنبرة هادئة ويفضل اللهجة العامية البسيطة على العربية الفصحى.
في أحاديثه الموجهة للمصريين يفضل السيسي مخاطبة عواطفهم ويؤكد أن الجيش المصري «ينفذ ما يأمر به الشعب». وفي 26 يوليو، طلب من المصريين النزول إلى الشوارع لإعطائه «تفويضاً وأمراً لمواجهة الإرهاب».
وله عبارة شهيرة قالها قبل شهور من عزل مرسي وما زال يرددها في مناسبات عدة: «عندما أردتم (انتم المصريين) التغيير، غيرتم».
ورغم انتشار صوره إلى جوار صورة الزعيم جمال عبد الناصر في التظاهرات وعلى واجهات المحلات تؤكد قيادات عسكرية مقربة منه أنه «لا يريد استنساخ تجربة عبد الناصر وسياساته» وإنما يأمل أن «يحقق العدالة الاجتماعية التي سعى إليها» الرئيس الراحل.
في لقاءاته التلفزيونية يطالب السيسي المصريين بالتضحية والعمل الشاق للنهوض بالبلاد حتى انه خاطبهم مرة قائلاً: «هل انتم مستعدون لاقتسام اللقمة (الخبز)» مع من لا يملك قوته و«هل ستستيقظون مبكراً مثل رجال الجيش لتبدأوا العمل في الخامسة صباحاً؟» في إشارة إلى أنه يريد توزيعاً عادلاً للدخل ويدرك في الوقت ذاته أن البلاد بحاجة إلى عمل شاق.
ورغم أن الرجل أمضى معظم سنين عمره الـ59 داخل ثكنات الجيش المصري إلا انه لم يكن في السنوات الأخيرة خصوصاً بعيداً تماماً عن السياسة. فعندما كان رئيساً للاستخبارات العسكرية، وضع السيسي ما بات يعرف الآن بـ«خطة استراتيجية» لتحرك محتمل لمواجهة «توريث الحكم» تحسباً لترشح جمال مبارك للرئاسة.
التديّن
يقول المقربون من المشير عبدالفتاح السيسي إنه لم يكن في أي وقت يميل إلى الإسلاميين لكنه مسلم متدين يحرص على أداء صلاة الفجر قبل أن يبدأ عمله في الصباح الباكر كما أن زوجته ترتدي الحجاب.
وللسيسي أربعة أبناء، ثلاثة شبان درسوا جميعهم في كليات عسكرية مصرية وانضموا إلى صفوف القوات المسلحة وأكبرهم متزوج من ابنة مدير المخابرات العسكرية الحالي اللواء محمود حجازي، وبنت واحدة تزوجت بعيداً عن الأضواء قبل نحو شهرين.
