منذ الإطاحة بالرئيس مرسي في يوليو الماضي والعلاقات الأميركية المصرية تدور في دوّامة لم يتيسر الخروج منها بعد: واشنطن مع العملية السياسية التي جاءت بالإخوان إلى الحكم، لكنها لا تقاطع النظام البديل، لأنها لا تقاطع مصر كشريك استراتيجي.
من جهته يرى النظام أن موقف إدارة أوباما غير مقبول، لأنه في حقيقته دعم للإخوان باسم العملية الديمقراطية، لكنه في الوقت ذاته لا يرغب بقطع الشعرة معها لأن ذلك ليس بالأمر السهل بعد شراكة استراتيجية طويلة مع واشنطن، مع كل ما نتج عنها من ترابط وتعويل متبادل على أكثر من صعيد. النتيجة كانت فتور وشكوك متبادلة أدّت إلى تآكل الثقة.
تطور احداث
ثم تطورت الأحداث في الآونة الأخيرة وبصورة ازداد معها التباعد، تبعاً لتزايد النقد والحساسية. بعض الإعلام الأميركي تولى مطاردة النظام في مصر، من زاوية أنه «قمعي» ويمارس بطريقة «معادية للحريات السياسية»، فضلاً عن أنه «لا يتقبّل المشاركة».
صحف كبرى ومؤثّرة مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، أفردت افتتاحيات رئيسة عدة في هذا المعنى. فضلاً عن تغطية حوادث العنف والتي غمزت فيها مراراً وتكراراً من زاوية السلطة.
يضاف إلى ذلك، أصوات الاحتجاج التي صدرت عن الكونغرس والتي ذهب بعضها إلى حدّ التلويح بقطع المساعدات المستمرة منذ «كامب ديفيد». خاصة بعد دفعة الأحكام التي قضت بحكم الإعدام ضد مئات المتهمين بحوادث عنف وإخلال بالأمن، وبما أعطى المزيد من الذخيرة لأصوات الإدانة للنظام. وكان لمثل هذا الخطاب الإعلامي دوره في تعميق النفور بين واشنطن والقاهرة.
تطوّران
خلال هذه المسيرة، حصل تطوران: زيارة الفريق السيسي لروسيا، ثم مؤخراً زيارات مسؤولين مصريين كبار إلى واشنطن. الأولى وما رافقها من صفقات عسكرية، حرّكت الحديث في واشنطن عن احتمال عودة موسكو إلى مصر بعد نحو أربعين عاماً.
تطور أضاف مادة جديدة إلى المداولات المتعلقة بمصر وبما أسهم في البحث عن مخارج للاستدراك والعودة إلى ترميم الجسور. رافق ذلك مراجعات واتصالات أدّت إلى التراجع عن تجميد الشق الأمني من المساعدات.
فكان الإفراج عن عشر مروحيات «أباتشي» بالإضافة إلى 600 مليون دولار، ولو أنها ما زالت متوقّفة في الكونغرس الذي اشترط حصول تصحيح مسبّق في ممارسات النظام قبل الإفراج عنها.
لقاءات عدة
الثانية تمثّلت بزيارة وزير الخارجية نبيل فهمي لواشنطن حيث قضى عدة أيام أجرى خلالها لقاءات عديدة مع أركان الإدارة والكونغرس وصنّاع الرأي وألقى محاضرات ومقابلات، دارت حول شرح السياسة المصرية وحيثياتها الداخلية.
كانت محاولة أولى لإعادة فتح قنوات التواصل، مع تشديده على رغبة مصر ومصلحتها في إحياء الشراكة «المهمّة للجانبين». كلام كرّره أيضاً الوزير كيري. بذلك كانت زيارة الوزير فرصة للمفاتحة المتبادلة. لم تكن كافية لإزالة كافة العوائق. لكنها أسست لمثل هذه المهمة.
ثم جاءت زيارة أمين عام الجامعة العربية السابق ومستشار الفريق السيسي، عمرو موسى لواشنطن والذي قام تقريباً بالمهمة ذاتها، في محاولة لإزالة الصورة السلبية السائدة في واشنطن.
لغة حسابات
جولة كل من الوزير والمستشار لم تكن طريقها سالكة تماماً. لكنها خاطبت المعنيين بلغة الحسابات ووظفت أهمية مصر لدى صنّاع القرار الأميركي. وضمن هذا الإطار حظيت بالتفهم ولو المشروط. كما أخذ الزوار المصريون العلم بالمآخذ الأميركية. الإدارة تدفع باتجاه التفاهم.
وتتزايد الدعوات لاغتنام فرصة الانتخابات من أجل فتح صفحة جديدة. فسياسة الإدارة تجاه مصر وقعت في التخبط خلال السنوات الأخيرة، وتسببت في نفور معظم المصريين منها، والآن حان وقت إعادة تنشيط العلاقة مع حليف مزمن وموثوق وله أهميته الاستراتيجية التي تحتاجها أميركا، كما يقول الدبلوماسي السابق دوف زاكم في مقالة له نشرتها مجلة «فورين بوليسي».
صحيح أن التعاطف مع العملية السياسية ما زالت كفته راجحة في صفوف أهل الرأي، لكن البراغماتية في التعامل مع مصر، آخذة في التبلور على مستوى صناعة القرار. وما لم تحصل تطورات دراماتيكية، فإن العلاقات الأميركية مع مصر تتجه نحو الانفراج، ولو البطيء والمتدرج.
ومن المتوقع أن يفرج الكونغرس عن المروحيات بعد الانتخابات، على أن يرافق ذلك خطوات من جانب مصر، على صعيد تخفيف الإجراءات الأمنية، كما على صعيد إيجاد المخرج القانوني للأحكام التي صدرت بالجملة. السؤال: «هل تكون الظروف مواتية لذلك» ؟
