خاطبت الدول الغربية أمس الأطراف الليبية بلهجة قلقة، في ظل المواجهات بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وميليشيات موالية للحكومة التي يهمن عليها الإسلاميون.
وفيما كانت الرسالة الضمنية هي قطع الشك باليقين لجهة حياديتها تجاه المنخرطين في الصراع، فإنها حذّرت من أن طرابلس أمام مفترق طرق: «إما التحول السياسي وإما الفوضى والإرهاب»، عارضة مساعدة الليبيين للانخراط في الحوار برعاية أممية.
وفيما لم تُسجّل أمس صدامات حادة باستثناء قصف معسكر للقوات الخاصة في بنغازي، فإن الحكومة المؤقتة بدت وكأنها امتصّت الصدمة وواصلت عملها المعتاد، متجاهلة أوامر حفتر بعدم شرعيتها، وأحالت قانون مكافحة الإرهاب إلى المجلس الوطني (البرلمان) الذي أكد أن الانتخابات البرلمانية ستجري في الـ 25 من الشهر المقبل، فيما تزينت شوارع بنغازي وطرابلس بشعارات «معركة الكرامة».
في تفاصيل المشهد الليبي الذي يثير قلقاً دولياً، عبرت الولايات المتحدة ودول أوروبية عن القلق العميق تجاه العنف في ليبيا، وحذرت من أن «البلاد تقف على مفترق طرق بين مواصلة الطريق نحو تحول سياسي أو السقوط في هوة الفوضى والانقسام والعنف والإرهاب».
وقالت هذه الدول في بيان مشترك نشره الموقع الإلكتروني للسفارة الأميركية في طرابلس: «يشعر الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة بقلق بالغ من أعمال العنف المستمرة، وتدعو كل الأطراف إلى عدم استخدام القوة وتسوية الخلافات بالسبل السياسية».
وعرض البيان أيضاً دعم الغرب لعملية مصالحة شاملة بمساعدة الأمم المتحدة، وحذر من أن «الانقسامات المستمرة بين الليبيين ستؤثر بشكل كبير في قدرة المجتمع الدولي على تقديم المساعدة». ودعت «لإجراء انتخابات برلمانية بأسرع وقت ممكن».
كذلك دعا وزراء خارجية مجموعة «خمسة زائد خمسة» المكونة من عشر دول، هي دول المغرب العربي الخمسة وخمس دول أوروبية في لشبونة إلى الحوار بين مختلف القوى السياسية في ليبيا.
الموقف الروسي
ولم يبتعد الموقف الروسي عن نظيره الغربي، حيث قال وزير الخارجية سيرجي لافروف في كلمة ألقاها في مؤتمر موسكو الثالث للأمن الدولي، إن الوضع في ليبيا يثير قلقاً متزايداً، حيث من الواضح أنه وصل إلى طريق مسدود.
وأضاف لافروف أن «لا أحد من أصدقاء ليبيا يستطيع إخراج البلاد من هذه الأزمة وحده».
وحذر من أن «تفكك ليبيا بشكل نهائي سيؤدي إلى ظهور بؤرة جديدة للتوتر ومصدر دائم للمخاطر في منطقة الصحراء والساحل».
الحكومة مستمرة
وبالرغم من اشتداد الأزمة، فإن الحكومة الليبية تواصل عملها متجاهلة إمكانية أن يؤدي ذلك إلى المزيد من الحدة في الأزمة السياسية والأمنية.
وكشف وزير العدل في الحكومة الليبية صلاح المرغني عن إقرار مجلس الوزراء لمشروع قانون لمكافحة الإرهاب في البلاد، وتقديمه إلى المؤتمر الوطني العام للموافقة على إصداره، أو مجلس النواب المقبل الذي يمكن أن يكون أول قانون ينظر فيه.
في السياق، أكد المؤتمر الوطني العام (البرلمان) تنظيم الانتخابات التشريعية في ليبيا في 25 من الشهر المقبل، بحسب النائب الثاني لرئيس المؤتمر، صالح المخزوم.
شعارات «الكرامة»
وشهدت عدة مدن ليبية أمس، خروج تظاهرات مؤيدة لمعركة الكرامة.
ميدانياً، أصيب 20 مدنياً بجروح عندما سقطت قذيفة على أحد المنازل في بنغازي، شرقي ليبيا، وفق مصدر طبي.
ووقع الانفجار في حي أبو هديمة وسط بنغازي قرب مقر العام لوحدة من نخبة الجيش النظامي الليبي التي أعلنت انضمامها إلى حفتر.
مبعوثان أوروبيان
من مظاهر القلق الأوروبي من الوضع الليبي، عينت كل من بريطانيا وإسبانيا أمس مبعوثين لهما إلى ليبيا. وعيّن رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، رئيس الموظفين السابق لسلفه توني بلير، مبعوثاً خاصاً إلى ليبيا لقيادة جهود حكومته في محاولة استعادة النظام فيها.
بدورها، أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية عزمها تعيين مبعوث خاص إلى ليبيا لدعم العملية الانتقالية الديمقراطية في البلاد. وذكرت في بيان لها ان مهمة البعثة ستكون تمثيل إسبانيا في مبادرات المجتمع الدولي لدعم ليبيا في جهودها من اجل احلال الاستقرار والتقدم في عمليتها الانتقالية الديمقراطية.
وسيقوم مبعوثا بريطانيا وإسبانيا بعملهما بجانب ممثلين عن الأمم المتحدة والمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي برناردينو ليون، ومبعوث الجامعة العربية ناصر القدوة وممثلين عن دول أخرى.
ميليشيات ليبيا تضع حفتر امام حرب طويلة
بعد أسبوع من إطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر عملية عسكرية تحت عنوان «كرامة ليبيا»، لا تزال المعادلات السابقة للسيطرة الميدانية على حالها، رغم إعلان عدة تشكيلات مسلحة كبيرة انضمامها إلى حفتر في حربه على «الميليشيات المتطرفة»، بحسب بيانات صدرت من قيادة العمليات، ذلك أن الحرب لم تكن خاطفة وسريعة كما كان متوقعاً.
وتدفقت تعزيزات محسوبة على الإسلاميين، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، على العاصمة طرابلس استجابة لطلب المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان) لحماية مؤسسات «الشرعية»، ما يظهر أن الإسلاميين، الذين يهيمن عليهم «الإخوان»، توقعوا هذه الحرب، واستعدوا لها أيضاً.
وواصلت الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد معيتيق اجتماعاتها، وأقرت قانون مكافحة الإرهاب، رغم عدم اعتراف حفتر بشرعيتها.
ويُعتبر استمرار سيطرة الموالين لـ«شرعية البرلمان» على خطوط الإمداد بين طرابلس ومصراتة إحدى التحديات الكبيرة التي يواجهها اللواء حفتر، حيث تتحكم ميليشيات مصراتة بكميات كبيرة من الأسلحة بعد سيطرتها على مخازن جيش العقيد معمر القذافي.
ومصراتة هي أيضاً القوة الضاربة في إخضاع المعارضين للعملية السياسية التي أعقبت سقوط القذافي، مثل مدينتي بني وليد وتاورغاء، وهي من أكثر الميليشيات التي قامت بمهام متنقلة خارج مصراتة في سبيل إلحاق الهزيمة بالموالين لعائلة القذافي بعد سقوطه.
تشكيل الولاءات
ويبدو التقدم الذي أحرزه الجيش الوطني الليبي في اليوم الأول من المعارك توقف رغم انضمام قاعدة طبرق الجوية والقوات الخاصة وكتيبتي الصواعق والقعقاع وميليشيات الزنتان إلى قواته، فالأمر حتى الآن أشبه بإعادة تشكيل الولاءات على أسس جديدة تحت قيادة واحدة، لأن من انضم لقوات حفتر كان على عداء مسبق مع الميليشيات الموالية للحكومة، مثل: «درع ليبيا» و«كتائب 17 فبراير» و«أنصار الشريعة».
وبينما كانت طرابلس شهدت عدداً من الصدامات بين ميليشات مصراتة والزنتان، فإنّ الصورة في بنغازي لا تختلف عن مثيلتها في طرابلس، وبه يمكن القول إن المعركة الحقيقية ميدانياً لم تبدأ بعد.
وهي إن بدأت، ستأخذ وقتاً طويلاً وبأثمان باهظة، وليس من المضمون أن ينتصر فريق على آخر، نظراً للقدرات التسليحية التي يتمتع بها الطرفان، وتداخل السيطرة لكل طرف مع مناطق الطرف الآخر. ولا يسيطر أي طرف على مدينة بأكملها، ما يعني أن المواجهات- إن وقعت - ستكون حرباً شاملة لا تعتمد على جبهة رئيسية، في تكرار متوقع لنموذج الحرب في سوريا.
لا تتسم ردود الفعل الأوروبية بالإيجابية تجاه عملية حفتر، فهي لا تفضل حكومة ليبية مخترقة من متطرفين موالين لتنظيم القاعدة على أبواب أوروبا، كما لن يروق لها دخول ليبيا في حرب غير مضمونة حتى الآن بأنها ستكون قصيرة وخاطفة.
وهذا قد يجعلها تفضل حل المترددين: ميليشيات أقوى من الدولة تزود 14 منطقة نزاع في العالم بالأسلحة، بدلاً من حرب يرجّح أن تكون طويلة وتحيي كابوس أوروبا: آلاف القوارب من النازحين على شواطئها في صباح ضبابي.
