قبل أيام قليلة أعلنت الفصائل الإسلامية السورية المقاتلة تراجعها عن مبدأ إسلامية الدولة وقبولها، في ميثاق شرف، بمبدأ دولة القانون والعدل والانفتاح على الآخر، بعد ميثاق سابق وصف في حينه بالمتشدد.

ولا يخفى ارتباط هذا التحول بالمعركة المفتوحة مع تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق المعروف باسم «داعش»، الذي أضعف الكتائب ذات التوجه الإسلامي، وأفقدها مصداقيتها أمام جمهور الثورة السورية، فهذه الفصائل سبق أن رحبت بكل مسلم يأتي للقتال إلى جانبها ضد النظام.

وكان من نتيجة ذلك تدفق آلاف المقاتلين الأجانب الذين سرعان من انضموا إلى تنظيم البغدادي واحتلوا معظم المناطق «المحررة» في شمال وشرق سوريا، وبدأوا يفرضون على السوريين نظاماً متشدداً ترافق مع عمليات اغتيال وخطف لأي صوت مخالف، وهو ما جعل السوريين يتوجسون خيفة من هذه النزعة المتطرفة والغريبة على حياتهم ومفاهيمهم للدين.

وكان من نتيجة ذلك أن فقد بسطاء السوريين ثقتهم بهؤلاء كشفوا عن وجه كالح لا يمت إلى الدين الحنيف بصلة، فغدا الحديث عن مشروع إسلامي لسوريا موضع خشية واستنكار من قبل رجل الشارع الذي وثق بداية بهؤلاء القادمين من وراء الحدود.

وبحسب رأي المراقبين، فإن تجربة «داعش»، رغم قساوتها، أفقدت المشروع الجهادي أي شعبية ممكنة له في سوريا المستقبل، فالشعب الذي انتفض ضد الظلم والطغيان وتكميم الأفواه، لا يمكن أن يقبل تحت أي شعار أو هدف إعادة التجربة نفسها مغلفة برداء ديني.

ولذلك، أدركت الجبهة الإسلامية ومن معها من فصائل مقاتلة، أن شيئاً ما حصل في مزاج السوريين، وأن تنظيم «داعش» حطم أي أوهام حول فكرة الدولة الإسلامية، فطرحت ميثاقها محاولة التأكيد على أساسيات الصراع، والعودة إلى منطق الأمور السليم.

وهو إسقاط النظام قبل أي بحث في شكل الدولة أو هويتها، لأن تنظيم «داعش» وضع العربة أمام الحصان، أي تنظيف سوريا ممن أسماهم الكفرة والمرتدين قبل القضاء على النظام، وهذا المنطق جعل الكثيرين يشككون، أصلاً بحقيقة إسلامية هذا التنظيم، حتى وصلت الاتهامات لأعضائه بالارتباط بأجندات استخباراتية دولية وإقليمية.

نزعة سورية

وبالإضافة إلى اعتبار «داعش» عدواً على قدم المساواة بالنظام وميليشيات حزب الله وابو الفضل العباس، عبرت الفصائل الإسلامية عن سوريتها، بشكل غير قابل للجدل، ورفضت للمرة الأولى مجيء مقاتلين غير سوريين، مؤكدة على أن المعركة مع النظام عسكريا تعني السوريين قبل أي أحد كان.

هذه التحولات، جعلت بعض المراقبين يرون فيها انصياعاً من طرف الجبهة الإسلامية للضغوط الغربية على الائتلاف المعارض، وآخرون يرون فيها انحناء للعاصفة، فيما يشكك معارضون آخرون بجدية هذا الطرح، معتبرين أنه لعب على الالفاظ ولا يقدم أي جديد على صعيد الاعتراف بالآخر.

ولكن المؤكد في ما حصل، هو أن الجبهة الإسلامية ومن معها أدركوا أن مشروع الدولة الإسلامية قد فقد بريقه، وأن جمهور الثورة السورية دفع أثماناً باهظة لا ينبغي أن يضاف عليها عبء التدخل في شؤونه الخاصة، وفرض الأحكام عليه، في زمن الحرب والقلة والجوع والحصار، فهذا آخر ما يريده السوريون في هذه اللحظة التاريخية المفصلية.

نقمة

 

مازاد من نقمة السوريين على تنظيم «داعش» إقامة حد السرقة على بعض اللصوص الصغار، في حين تسرق داعش نفط سوريا وتبيعه في السوق السوداء لتمويل عملياتها في العراق.