عادت ليبيا إلى شاشة الاهتمام في واشنطن مع العودة الميدانية المفاجئة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر. دخوله السريع والفعّال في هذه اللحظة المتفجرة من الأزمة، استوقف المراقبين لجهة ما بدا أنه ينطوي عليه من إمكانية لاختراق الساحة باتجاه تركيب معادلة سياسية حكومية جديدة، قد تكون بداية الطريق نحو لملمة أشلاء البلد.

لكن دوره الذي بدأ يستقطب حوله قوى ليبية وازنة، وما قام به من خطوات، ما زالا في طور الاختبار الذي تشير ردود واشنطن الأولية إلى أنه يستحق منحه الفرصة اللازمة.

بل إن ما صدر عن مسؤولين مطلعين على تفاصيل التطورات الليبية، يشي بأن هناك توجّهاً لاحتضان حركة حفتر في اللحظة المناسبة لاحقاً. ففي ندوة أمس في «مركز ستيمسون» للأبحاث في واشنطن، تحدثت السفيرة الأميركية في ليبيا، جانيفر جونز، عن المشهد الراهن هناك؛ بشيء من التفاؤل الحذر، أو على الأقل عدم التشاؤم، بمستقبل الأوضاع، ولو أنه مفتوح على المزيد من التعقيد والتصعيد في المستقبل القريب.

وإذ شمل عرضها تقديم صورة عن خريطة الصراع وحيثياته الرئيسية والقوى الضالعة فيه من «إسلاميين يريدون اغتنام اللحظة للإمساك بالحكم وبين الأطراف العلمانية»، إلا أن معظم الملاحظات والأجوبة دارت حول الجنرال حفتر وحركته العسكرية.

تسويق الجنرال

في هذا الإطار، حرصت السفيرة على إحاطة دوره بقدر من الإيجابية ولو مداورة، وبما يضعه في خانة التوجّه الواعد. «فهو لم يفصح بعد عمّا إذا كان ينشد السلطة. كل ما أعلنه أنه دعا المجلس الوطني العام، البرلمان، إلى التنحي لأنه فشل في الاستجابة لرغبات الليبيين»، كما قالت.

وفي هذا السياق نوّهت بخطوته التي «أدّت إلى تحديد موعد لانتخابات جديدة في 25 يونيو المقبل». تقديم يصبّ في تسويق الجنرال كرجل إصلاح «حظي بتأييد واسع»، من جانب قوى ليبية مختلفة من بينها «علي زيدان رئيس الحكومة السابق وغيره» من عسكريين ومدنيين.

وفيما حرصت على القول إن واشنطن «لا تدعم الجنرال أو تعمل على مساعدته لتنفيذ الأجندة التي يعتمدها»، إلاّ أنها سارعت إلى وضع فاصل بين مثل هذا الموقف المعلن وبين التنويه بخطواته، « إذ ليس من الضروري إدانة ما يقوم به الآن والذي نال التأييد في ليبيا. فما زال من المبكر إطلاق الأحكام عليه في الوقت الذي ما زال فيه مشروعه غير واضح، فضلاً عن أن الأوضاع ما زالت غير مستقرة على حال».

مراهنة اميركية

إذا كان هناك من مراهنة أميركية معلّقة على الجنرال، فلأنه يدخل المعركة من موقع التصدّي للحركات الإسلامية المقاتلة في ليبيا. فهذه الأخيرة «ليست مهمة لنا بسبب نفطها، بل بسبب موقعها الذي يخولها بأن تكون نقطة مركز للشبكات الإرهابية، كما أن تكون ممراً للسلاح في طريقه إلى المنطقة المجاورة».

هنا المعركة بالنسبة إلى واشنطن. ومن هنا التمهيد لدعم الجنرال الذي يبدو أنه يشق طريقه بسرعة وقوة مستنداً إلى احتضان ليبي متزايد يرى الأميركيون أنه جدير على الأقل بالتشجيع في هذه المرحلة المفتوحة على المزيد من الدعم اللاحق.