ثمن محللون سياسيون سعوديون إنشاء لجنة عليا مشتركة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، برئاسة وزيري الخارجية في البلدين الشقيقين، مؤكدين أن القرار يمثل بعداً استراتيجياً مؤسّساً على قراءة معمّقة للمتغيرات المتسارعة إقليمياً ودولياً، وجانباً استشرافياً استباقياً لنتائج تلك المتغيرات للتوقّي ممّا تطرحه من تحديات ومخاطر على أمن الإقليم واستقراره، على اعتبار أنه توحيد للسياسات الخارجية بين محوري الخليج (الإمارات والسعودية) في مواجهة مصادر تهديدات بعضها داخلي وبعضها يشكل خطراً على أمن المنطقة بأكملها، لافتين إلى أنّ الإمارات والسعودية تعتبران ركيزتي العمل العربي المشترك.
قاطرة العمل الخليجي والعربي
وقال أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة الملك عبد العزيز بجدة د. عبد الله حسين البلوي، إنّ حضور وزيري الخارجية والداخلية السعوديين إلى الإمارات واجتماعهما بالفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مثّل بحدّ ذاته رسالة واضحة من البلدين بشأن علوّ مستوى التنسيق بين الدولتين وإصرارهما على مقاربة قضايا المنطقة بشكل جماعي، مشيراً إلى أن التنسيق السعودي الإماراتي سيقود قاطرة العمل الخليجي والعربي بعد انضمام مصر عقب فوز مرشحها الأوفر حظاً عبدالفتاح السيسي بالرئاسة.
وأضاف: «اعتقد أن اللجنة العليا المشتركة برئاسة وزيري الخارجية للعمل على تنفيذ الرؤية الاستراتيجية لقيادتي البلدين ومواجهة التحديات في المنطقة، نتاج وتتويج لمسيرة طويلة من التنسيق السياسي والأمني الرفيع ظهرت مؤشراتها في إعلان الإمارات في ديسمبر 2012 عن تفكيك واعتقال خلية إرهابية بمساعدة السعودية، فضلاً عن إشادة الإمارات رسمياً بقرار السعودية إدراج مجموعة من المنظمات من بينها جماعة الإخوان على قائمتها للجماعات الإرهابية.
حمل الهمّ العربي
من جهته، اعتبر المحلل السياسي د. صفوق الشمري أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية عموماً زادت من ضرورة وأهمية التنسيق السعودي الإماراتي في السنوات الأخيرة ما جعل هذا التحالف يصبح الرافعة التي تحمل الهم العربي وتحاول الإبقاء على تماسك الأمن القومي العربي، فهناك تناغم وتعاون في اغلب الملفات المهمة، ففي الملف المصري كان التدخل السعودي الإماراتي حاسماً خصوصاً بعد الابتزاز الغربي لمصر من حيث المساعدات فكانت المساعدات الخليجية مهمة في الحفاظ على مصر من تلقي صدمة اقتصادية قد تؤدي إلى انهيار الدولة لعقود.
وقال الشمري إن التحالف السعودي الإماراتي لعب دوراً بارزاً في المحافظة على جهوزية الجيش المصري، الذي يعتبر خط الدفاع الأول عن العرب، بعد أن قطع الأميركيون السلاح عنه، ما استدعى انجاز الصفقة الروسية المصرية، مشيراً إلى أن هذا التحالف الذي فرضته ظروف سياسية وأمنية دقيقة ومهددات للأمن القومي العربي، يأتي أيضاً ضمن إطار كيان قوي متماسك بما يعود بالخير للشعبين ويدعم مسيرة العمل الخليجي المشترك.
مرحلة الاعتماد على الذات
أما الباحث في شؤون مجلس التعاون الخليجي د. صالح عبد الرحمن العفالق فأكد أنّ القرار الإماراتي السعودي بتشكيل اللجنة المشتركة سينعكس إيجاباً على أمن واستقرار المنطقة بشكل عام، على اعتبار أن السعودية والإمارات أكبر دولتين في المنطقة، كما أنه إعلان واضح وصريح بأن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت بالفعل مرحلة الاعتماد على الذات في كافة القضايا الاستراتيجية الأمنية والسياسة، بما في ذلك حماية الإقليم والحفاظ على استقراره، والتقليل إلى أقصى الدرجات من التعويل في ذلك على التحالفات مع الخارج، دون أن يعني ذلك التراجع عن العلاقات الممتازة لدول الخليج بقوى عالمية.
وأوضح العفالق أن سفر وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ومعه وزير الداخلية إلى دولة الإمارات يمثل أيضاً رسالة قوية إلى أطراف أخرى تريد للبلدين عدم التوافق في الآراء، مشيراً إلى أن مواقف السعودية والإمارات كانت قد تقاطعت مؤخراً في أكثر من ملف، وخاصة أساليب التعامل مع التطورات في سوريا ومصر والموقف من جماعة الإخوان ودولة قطر التي سحب البلدان ومعهما البحرين سفراءها منها.
نموذج جديد
ورأى الكاتب والمحلل السياسي د. حسين بن فهد الأهدل أن الرياض وأبوظبي قدمتا نموذجاً جديداً في التعاون والتنسيق والتضامن، وأن قرار البلدين بإنشاء لجنة عليا مشتركة تعمل على تنفيذ رؤية قيادتي البلدين يعتبر خطوة استراتيجية تنبئ بنقلة نوعية في العمل الخليجي المشترك فرضته الظروف المحيطة بالإقليم، معرباً عن أمله في أن تكون اللجنة المشتركة انطلاقة فاعلة وإيجابية لعلاقات أكثر عمقاً بين مختلف دول المنطقة، بما يسهم في دعم استقرارها ونمائها وتقدمها، ويتصدى لأي عوائق قد تواجهها.
رسالة احتجاج
قال الكاتب والمحلل السياسي د. حسين بن فهد الأهدل إن التوجه المشترك بإنشاء لجنة مشتركة بين الإمارات والسعودية هو تتويج لسلسلة طويلة من التناغم السياسي والأمني بين البلدين، ومنها ما قامت به الإمارات في مارس الماضي من استدعاء للسفير العراقي لديها احتجاجاً على تصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ضد المملكة والتي اتهم فيها الرياض بدعم الإرهاب، ما أثار استياء الإمارات واحتجاجها، لمعرفة الجميع بدور السعودية الفاعل في مكافحة الإرهاب، مشيراً إلى أن هذه الخطوة الإماراتية مثّلت رسالة جديدة على وحدة الموقف بين البلدين الجارين.


