التطورات المتلاحقة في ليبيا تضيف إلى سلسلة الاستنتاجات الجازمة حول عبثية المشهد في هذا البلد، قناعات جديدة بأن الوضع غير المسبوق حتى في ما تسمى الدول الفاشلة، يحتاج إلى منقذ. في الظروف العادية، تواجه الدول أزماتها مهما كانت شديدة بالمؤسسات، لكن في الحالة الليبية لم تعد هناك أية مؤسسات يمكن الاستناد إليها في إنقاذ البلد مما هو أسوأ.
بالنظر إلى تجارب قريبة وبعيدة، وفي دول أنشئت على أسس المركزية ومحورية الجيش والأمن، ليس سوى الجيش من يستطيع تحقيق مهمة استعادة البلد، وهي مهمة لا شك تبدأ باستعادة الأمن والاستقرار كبيئة شرطية لاستنهاض بقية المجالات، مثل الصحة والتعليم والتنمية وسواها.
في هذه الظروف نشأت ظاهرة «الجيش الوطني الليبي» بقيادة اللواء السابق خليفة حفتر الذي يرى فيه العديد من الليبيين والمراقبين «رجل المرحلة» والإطار الجامع لبلاد مبعثرة. ففي فبراير الماضي، نشب نزاع على حل البرلمان الليبي، وفي ذلك الخضم ظهر الضابط حفتر بزيه العسكري الكامل على شاشات التلفزيون فجأة ليطالب القوات المسلحة بإنقاذ البلاد. وكان لوقوفه بين علم ليبيا وخريطة كبيرة، ومطالبته بأن تتولى حكومة انتقالية الأمور من برلمان أصيب بالشلل بسبب الصراعات الميليشياوية، دلالات تتعدى الظهور الهامشي إلى ما يشبه دوراً تتطلّبه المرحلة.
فوبيا الانقلابات
وفي ذلك الحين، لم تكن فكرة «رجل المرحلة» قد نضجت بعد، وذلك في ظل انتشار حالة إعلامية إقليمية أنشأت ما يمكن تسميته بـ«فوبيا الانقلاب»، وهي حالة أنشأتها جماعات الإسلام السياسي في سبيل حماية وصولها السلطة في ظروف استثنائية في بعض دول «الربيع العربي»، وقبلها تركيا.
وعلى وقع شائعات وحملات صورت موقف حفتر على أنه تحرك لانقلاب عسكري، برغم عدم وجود أي مظاهر عسكرية دالة عليه، تأثر كثيرون بتلك الشائعات، ولم يجد صوت الضابط الذي تمرد على القذافي في الثمانينيات صدى كافياً. لكن حالة الفوضى العارمة والانعدام المطلق للأمن ووصول ليبيا إلى حالة اللادولة، كل ذلك وجد فيه اللواء حفتر بيئة ملائمة لتجديد تحرّكه تحت عنوان تطهير البلاد من الإسلاميين المتشددين والتكفيريين والإرهابيين، وهو شعار يلامس حاجة الشعب الليبي إلى استعادة الأمن والاستقرار.
الظاهرة تتسع
الحال تبدّلت، ولم تمض سوى أيام قليلة على ما أسماها حفتر «معركة الكرامة»، حتى اتضح أنها تحظى بدعم داخلي لدى التشكيلات التي كانت ذات يوم جيشاً ليبياً. فقد انضم إليه فور تحركه «لواء الأنصار»، وأمس أعلنت رئاسة أركان الدفاع الجوي الليبي انضمامها إلى «معركة الكرامة»، في حين نشرت أنباء عن انضمام وزارة الداخلية إليه، فيما أصدرت الوزارة بياناً أبقى الموقف مبهماً.
وقد تظهر الأيام أو الأسابيع المقبلة أن هذه العملية لم تنطلق إلا بتحقيق أهدافها، ليظهر في ليبيا الرجل القوي الذي تفتقده.
ليبيا ومصر
لكن ما بدا لافتاً هو طلب المتحدث باسم قوات حفتر مساعدة الجيش المصري لـ«الجيش الوطني الليبي»، مستخدماً هدفاً مشتركاً لهذا الطلب، وهو حماية الحدود المصرية الليبية، فيما لا يختلف اثنان على أن من الصعوبة بمكان استعادة الأمن والاستقرار في مصر، طالما بقيت ليبيا وكراً للإرهاب والتطرف.