أسئلة كثيرة تدور في ذهن المتابع للإجراءات الأخيرة المتلاحقة التي اتبعها جهاز الأمن والمخابرات السوداني في مواجهة زعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي، فما بين ليلة وضحاها أصبح زعيم أكبر كتلة سياسية معارضة معتقلاً بعد أن كان قبلها بأسبوع من أقرب المؤيدين لخط حزب المؤتمر الوطني الحاكم الداعي للحوار، ما يؤكد وجود صراع الأجنحة داخل منظومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم وتقاطع المصالح داخله.

ومما لا شك فيه أن هناك عدة اتجاهات يمكن أن تقود إلى تفسير تطورات الأيام القليلة الماضية بشأن علاقة المهدي بالحزب الحاكم، فيذهب الاتجاه الأول وهو الأرجح إلى «صراع الأجنحة داخل منظومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم وتقاطع المصالح داخله.

ويشير هذا الاتجاه إلى أن هناك جهة نافذة داخل الوطني رافضة لدعوة الحوار التي أطلقها الرئيس عمر البشير لتعارض أي تقدم إيجابي في عملية الحوار الشامل مع مصالحها بل قد يقود ذلك إلى محوها من خارطة الوجود داخل أي حكومة يمكن أن يقود إليها الحوار».

جهاز الأمن

وبنظرة فاحصة في كل الاتجاهات داخل الحكومة نجد حسب عدد من المحللين أنه« لا توجد جهة أكثر تضرراً غير جهاز الأمن وذلك لإجماع كافة القوى السياسية الموافقة على الحوار والرافضة له على ضرورة إلغاء القوانين المقيدة للحريات وعلى رأس هذه القوانين قانون جهاز الأمن الوطني والذي يخوّل للجهاز سلطات أعلى من تلك التي منحها له الدستور نفسه»، وبالضرورة أي إلغاء لقانون الأمن ينزع تلك الصلاحيات وقد يقود إلى حله نهائياً واستبداله بجهاز قومي كما ترى أحزاب المعارضة.

نسخة أخرى من«الإنقاذ»

أما الاتجاه الثاني الذي يمكن من خلاله تفسير هذه الهجمة من قبل جهاز الأمن على المهدي فإنه حسب عدد من المتتبعين لا يبعد عن الاتجاه الأول كثيراً لارتباطه أيضاً بقضية الحوار ولكن من زاوية أخرى تقرأ مع خط آخر قوي داخل الوطني يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى استثمار دعوة الحوار هذه في جمع فرقاء الإسلاميين (الوطني الشعبي الإصلاح الآن) وإقامة نسخة أخرى من«الإنقاذ»، وبلا شك أن هذا الخط يخشى من إشراك منافس يوازيه في القوة مثل حزب الأمة الذي رغم الهزات التي تعرض لها خلال سنوات حكم الإنقاذ.

إلا أنه لا يزال يحتفظ بجماهيره التي لا تخطئها العين، إلى جانب أن أي توحد للإسلاميين سيكون على رأسه الزعيم التاريخي للتنظيم في البلاد الدكتور حسن الترابي، ومن المعلوم بالضرورة ومن خلال التجارب التاريخية أن الترابي والمهدي لا يمكن أن يجتمعا في كيان واحد وإن لم يكن ذلك مستحيلاً فمن باب الغيرة السياسية والحساسية فيما بين الرجلين، وهذا يشير إلى أن الداعمين لهذا الخط يرون لنجاح مسعاهم في توحيد الإسلاميين « إبعاد» المهدي عن مسار مبادرة الحوار.

إسكات الصوت

إلى ذلك، ذهب زعيم حزب الأمة عندما سئل عقب انتهاء استجوابه يوم الخميس الماضي من قبل نيابة امن الدولة عن أسباب رفع جهاز الأمن دعوى ضده، حيث رد بالقول «يبدو أن السبب واحد من اثنين إما في ناس لم يعجبهم الحوار إما أنهم يريدون إسكات الصوت الذي به مصداقية عالية».

واتهم المهدي بعض أجهزة الدولة ما وصفهم بصقور النظام بالعدوان عليه، مشيراً إلى أن ذلك العدوان جعله يراجع الموقف من الحوار من أجل تحديد استحقاقات الحل السياسي والعمل لتحقيقها.

من جهة أخرى قال المهدي في منشور بعث به من داخل المعتقل امس انه «حبس قيد التحقيق بعد أن فتح جهاز الأمن السوداني بلاغاً جديداً ضده بتهمة الدعوة لتقويض النظام الدستوري تحت المادة 50 من القانون الجنائي السوداني».

مشيراً إلى أنه «ظل يردد في كل الأدبيات أن الوضع السياسي السوداني مأزوم امنياً واقتصادياً ودولياً مما يفتح الباب لأعمال مضادة بالعنف أو الانقلاب أو الانتفاضة»، غير أنه لفت إلى أن هذه البدائل محفوفة بمخاطر فادحة للمصير الوطني.

لافتاً إلى أن« الانتفاضة بأساليب مدنية مع استعداد النظام لمواجهتها ستؤدي للسيناريو السوري»، مؤكداً أن «أحسن وسيلة لتحقيق مطالب الشعب السوداني تتمثل في المائدة المستديرة او المؤتمر الدستوري لتحقيق السلام الشامل».

لا حوار

بدوره أكد نائب رئيس حزب الأمة اللواء معاش فضل الله برمة ناصر في مؤتمر صحافي عقده حزبه أمس أن «لا حوار اذا لم تستوف كل متطلبات الحوار بخلق المناخ الصالح وإعادة الثقة بين الفرقاء، مطالباً السلطات السودانية بالإفراج عن المهدي فوراً».

وفي أول رد فعل على اعتقال المهدي استنكر تحالف المعارضة السودانية الرافض لدعوة البشير للحوار اعتقال المهدي، وأشار إلى أن «الخطوة تؤكد عدم جدية النظام في عملية الحوار، وقال رئيس اللجنة السياسية بالتحالف محمد ضياء الدين «النظام باعتقال المهدي طبظ عينه بإصبعه» داعياً لإعادة ترتيب المواقف داخل العمل المعارض لإحداث التغيير الجذري للنظام بحسب قوله.

لقاء أفريقي

 

التقى رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ثامو امبيكي بوفد رفيع من حزب الأمة لبحث قضايا الحوار وسير عملية التفاوض حول منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بين الحركة الشعبية شمال والحكومة السودانية.

وقالت القيادية بحزب الأمة مريم الصادق إن« امبيكي أبلغ قيادات الحزب بأنه طلب من السلطات الحكومية السماح له بمقابلة زعيم حزب الأمة المعتقل الصادق المهدي»، معرباً عن أمله في أن تتم الاستجابة لطلبه، وأشارت إلى أن امبيكي أبدى أسفه وحزبه لما تم من إجراء ضد المهدي.