انقسم خبراء الفقه الدستوري في الجزائر بين مثمن لمضامين مسودة الدستور التي سلمتها رئاسة الجمهورية، الخميس، لمختلف القوى السياسية والجمعيات والشخصيات الوطنية للإثراء والمناقشة، وفريق آخر يرى أن المضامين الجديدة لا ترقى لتطلعات المجتمع الجزائري، ما يستدعي إعادة نظر هيكلية في المسودة وإدخال مقترحات ترقى إلى وعود الإصلاح التي أطلقها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ العام 2011، وإن أجمع الفريقان على أن العودة للعمل بنظام الولاية الواحدة القابلة للتجديد مرة واحدة هي بمثابة العودة إلى الأصل واجب التثمين.

دسترة الملفات

وقال خبير الفقه الدستوري أبو الفضل بعجي، العضو في لجنة دراسة مسودة الدستور، لـ«البيان»، إن المضامين الرئيسية للمسودة تنوعت بين جزء واجب التثمين وآخر بحاجة لمراجعة عميقة وجزء ثالث يمكن الاكتفاء بإثرائه بمجموعة أفكار جديدة. وقال إن دسترة ملفات على درجة من الخطورة على غرار محاربة الرشوة والفساد وحماية الاقتصاد الوطني وسن تشريع رادعة للاغتناء من الوظيفة أو استعمالها للثراء غير المشروع، تعتبر بمثابة خطوة جيدة للأمام، مضيفا أن مضامين المسودة بشكل عام «إيجابية إلى أبعد الحدود».

وعلى العكس تماما وقف الخبير الدستوري الجزائري عمار رخيلة، الذي كشف لـ«البيان»، أن من يطلع على المسودة يصاب بخيبة أمل كبيرة لأن سقف الوعود كان أعلى مما تضمنته المسودة المطروحة للنقاش والإثراء. وقال إن المسودة كشفت أن النظام يتقدم خطوة للأمام ويعود خطوتين للوراء. وانتقد عدم وجود إشارة في المسودة الجديدة لتحديد طبيعة النظام الجزائري، ورأى أنها تعمدت زيادة الغموض بهذا الشأن.

مجرد مسودة

ويرى الخبير الدستوري حسين خلدون، أن المقترحات ليست نهائية بل مجرد مسودة تعبر عن جملة أفكار قابلة للتعديل والتنقيح والزيادة والنقصان، وهي مسودة قابلة لمشاركة الجميع لتكون الجزائر أمام فرصة دستور توافق حقيقي. وقال لـ«البيان»، إنه لا أحد من المعارضة أو الموالاة تحت الضغط، بل الجميع له الحق في الاقتراح وعليه يتوجب على الجميع الانخراط الايجابي للمشاركة في وضع دستور يقبل به الجميع.

وذهب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان حسين زهوان، والخبير القانوني، إلى أن تعديل الدستور ليس مسألة بسيطة بل هو مسألة استراتيجية يجب أن يحملها الجميع سلطة ومعارضة محمل الجد. وكشف لـ«البيان» أنه طالب السلطة بإعادة بناء مؤسساتي شامل وليس تعديلات طفيفة على الدستور لأن الجزائر بلغت مرحلة تاريخية حاسمة وشديدة الخطورة بالنظر إلى التحولات العالمية وفي المحيط العربي. وقال إن المسودة تكشف أن السلطة غير واعية وتتحرك تحت الضغوط والنفوذ وتحاول استمالة المعارضة لتمرير خيارات لا تمثل إجماعا.

أهم التعديلات

وبالعودة إلى المحاور الكبرى لمضمون المسودة، نجد أنها تضمنت إعطاء أدوار للمعارضة على مستوى البرلمان بغرفتيه، حيث نص التعديل صراحة على دور أكثر فاعلية، حيث أصبح للمعارضة في البرلمان حق إخطار المجلس الدستوري بطلب من 70 عضواً في المجلس الشعبي الوطني أو 40 عضواً في مجلس الأمة وهو قرار غير مسبوق في الدساتير السابقة، وهو العدد الذي يمكن أن يتقلص باقتراحات في الجولة الثانية من المشاورات، فضلاً عن تعزيز دور البرلمان من خلال جلسات أسبوعية وشهرية لمحاسبة الحكومة، ومراجعة آليات الرقابة والردّ على انشغالات نواب البرلمان التي لا يجب أن تتعدى 20 يوما.

دور المرأة

وتضمنت المسودة أيضا تثميناً لدور المرأة حيث تضمنت المسودة اقتراح إدراج مادة جديدة (31 مكرر) للمناصفة بين المرأة والرجل وهو تعديل جريء. كما تضمنت منع التجوال السياسي الحزبي حيث سيتم إسقاط صفة النائب عن أي منتخب يغير حزبه بعد الوصول إلى البرلمان.

ومن التعديلات المهمة تمكين مجلس الأمة من مزيد من الصلاحيات، حيث يتاح لهذه الهيئة لأول مرة منذ نشأتها في العام 1998 الحق في التشريع، لكن هذه الصلاحية محصورة في جانب واحد فقط متعلق بكل ما له علاقة بسن القوانين ومناقشتها وتعديلها.

إصلاح «الدستوري»

تضمنت مسودة الدستور الجزائري إصلاحا جديدا للمجلس الدستوري حيث تم توسيع صلاحيات إخطار المجلس التي كانت محصورة في رئيس الجمهورية ورئيسي البرلمان بغرفتيه إلى الوزير الأول و70 عضواً من البرلمان و40 عضواً من مجلس الأمة، كما تم رفع عدد أعضاء المجلس الدستوري إلى 12 عضواً، واستحداث منصب نائب رئيس لهذه الهيئة على أن يُعين من قبل رئيس الجمهورية رفقة أربعة أعضاء، إضافة إلى أربعة آخرين عن غرفتي البرلمان ومثلهم من السلطة القضائية عن طريق الانتخاب، وتمديد فترة العهدة بالمجلس الدستوري إلى 8 سنوات بدلا من 6 أعوام.