في الحي الإسلامي، وهو حي فقير في غرب طرابلس، تبدأ مواجهة بين مجموعتين من الأطفال. يقود المجموعة الأولى طفل يبلغ من العمر عشرة أعوام ويحمل قطعة من البلاستيك على شكل عصاة، وعلى بعد حوالي 30 متراً في الشارع ذاته غير المعبد الذي يكسوه التراب، يقبع منافسوهم المسلحون بعصي خشبية.

هذه هي الطريقة التي يلعب بها الأطفال هنا بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على قيام ثورة شعبية مسلحة في ليبيا أطاحت بحكم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وحتى النساء لا يعرنهم التفاتاً أثناء مغادرتهن للمحلات التجارية القريبة؛ فقد أصبح هذا مشهداً عادياً. بل إنه مذكور في إعلان خدمة عامة تبثه وزارة الثقافة والمجتمع المدني لتحذير الآباء من مخاطر انتشار ثقافة العنف بين أطفالهم.

وفي حين يعاني بعض الليبيين من حالات صحية خطيرة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الذي يؤدي إلى الانتحار، أصبحت المشاكل النفسية والاجتماعية الأكثر شيوعاً والأقل وضوحاً هي الأوسع انتشاراً بكثير في هذا المجتمع الممزق.

معدلات قياسية

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية «إيرين»، قال عبدالرؤوف إدريس، وهو طبيب نفسي في المستشفى: «قبل الحرب، كنا نرى ما بين 7 و10 مرضى جدد يومياً، أما الآن، فإننا نستقبل عدداً أكبر يتراوح بين 20 و30 مريضاً».

من جانبه، أعلن مدير أمن طرابلس محمد السويسي هذا الشهر أن معدلات الجريمة زادت إلى 3.597 جريمة في النصف الأول من العام 2013 (لكنه لم يحدد نسبة الزيادة).

بدوره، أفاد نائب مدير المستشفى عبدالله الفنار أنه لاحظ وجود عدد أكبر من مدمني المخدرات منذ نهاية الثورة، مضيفاً أنهم من الثوار السابقين الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة.

ويرى أحد الأطباء النفسيين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن معالجة الآثار الطويلة الأمد للصدمة النفسية ليست من أولويات الحكومة، التي تكافح من أجل توفير الأمن واستعادة السيطرة على المنشآت النفطية المدرة للدخل من قبضة الميليشيات.

بوادر نجاح

وعلى الرغم من التحديات، بدأت بوادر النجاح تظهر على بعض المشاريع. فعلى سبيل المثال، تدير هيئة معونة الكنيسة الدنماركية، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، مشروع الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والشباب في مصراتة، وهي مدينة تأثرت بشدة من جراء الصراع، منذ نوفمبر 2011.

ومن بين الأعمال الفنية التي أنتجها الأطفال في الآونة الأخيرة، لاحظ أحد المسؤولين الميدانيين في المشروع وجود تحول «بعيداً عن صور العنف والقتال التي هيمنت على الرسومات في المدارس بعد الثورة مباشرة، إلى صور تعبر عن الأمل والتعاون ومستقبل جديد».

وتقوم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف»، بالشراكة مع وزارة الحكم المحلي والمجتمعات المحلية، بإنشاء 13 ملعباً في مناطق رمزية في جميع أنحاء ليبيا.

قتلى الحرب

أدت الحرب الأهلية التي نشبت في العام 2011 بين أنصار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي والثوار الذين كانوا يحاولون الإطاحة به من السلطة إلى مقتل ما يقرب من 25,000 شخص وجرح أكثر من 50,000 آخرين، وفقاً لتقديرات المجلس الانتقالي، الذي كان بمثابة الهيئة الحكومية المؤقتة السابقة. وفي خضم هذه العملية، خلف الصراع - وعقود القمع التي سبقته - ندوباً نفسية بدأ السكان لتوهم يتماثلون للشفاء منها.