تطوّق الأزمات السودان، وتناوشه من كل منفذ، ونظام الخرطوم، وربّانه عمر البشير لا يرى في غير ما الحوار، الذي أطلقه قبل أسابيع قليلة حلولاً لمشكلات البلاد، وأزماتها المتراكمة من اقتصاد متداعٍ، وأمن متهاوٍ في أكثر من جهة، وشارع ضاق ذرعاً، كما يرى كثيرون بممارسات السلطة، وسكوتها على الفساد التي ابتلع موارد السودانيين وخلق المشكلات.
أقرّ نظام الرئيس عمر البشير بفشل «حلول التجزئة» طوعاً أو كرهاً، فطفق يدعو إلى حوار لا تتوفّر معطياته، ولا يبدو النظام قادراً على الوفاء بمستحقاته، كما يرى مراقبون، المتمثّلة في تفكيك مراكز القوى، وإطلاق الحرّيات العامة والشروع الفوري في تشكيل حكومة وحدة وطنية لفترة انتقالية، أمرٌ يرى فيه صقور النظام السوداني تهديد حقيقي لنفوذهم، إذ لا يريدون من الحوار سوى طاولة يلتقي حولها المتفاوضون، وينفضّون من دون ثمار تجني.
ولعل أحد مكاسب النظام السوداني برأي كثيرين من خلال إطلاقه الحوار أنّه استطاع استمالة حلفاء الأمس حزب المؤتمر الشعبي، بقيادة الزعيم حسن الترابي، إلى جانب التقارب مع الحزب الجماهيري «الأمّة القومي»، بزعامة الصادق المهدي، اللذين غيرا موقفهما من قناعة السعي الدؤوب، لإسقاط النظام بالقوّة، في وقت وقفت الكثير من الأحزاب على الرصيف مفضّلة عدم المشاركة في ما سمته المهزلة والمسرحية سيئة الإعداد والإخراج، التي يطلق عليها «الحوار الوطني».
على الشط الآخر من المشهد تقف الحركات المسلّحة التي لا تري في غير السلاح محاوراً مع نظام لا يحترم إلّا منطق القوّة لا قاعات التفاوض، أمرٌ لم يمنعهم من الرضوخ لضغوط المجتمع الدولي في الجلوس مع مفاوضي النظام في أديس أبابا، للتوصّل إلى حلول حول القضايا الكؤود في النيل الأزرق وجبال النوبة، مفاوضات ربما لن تقود إلى شيء يذكر في ظل تباعد مواقف الطرفين ورؤاهما لمستقبل البلاد.
يطمح النظام، كما يرى معارضوه، إلى التوصّل إلى اتفاق مع قطاع الشمال بالحركة الشعبية ليجهز على آخر وأكثر مهاجساته تعقيداً، لكن التمسّك من قادة القطاع برفض الاتفاق الثنائي، والتمسّك بما يسمونه حلّاً شاملاً للأزمة السودانية المعقّدة.
ويشير محلّلون إلى أنّ تجزئة التفاوض بعقد اتفاقيات سلام منفردة أدت إلى ارتفاع سقف المظالم والشكاوى من مشكلات التهميش، ما يؤجّج فتيل الصراع والحرب تستمر وفقاً له دوامة المفاوضات اللانهائية وتصدير حالة الصراع وعدم الاستقرار إلى مناطق أخرى لتتسع رقعة الاحتراب.
لا حلول للأزمة المستحكمة في السودان برأي متابعين وخبراء سوى بتقديم نظام الخرطوم تنازلات في سبيل مصلحة الوطن تتمثّل في تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن عبر الدعوة إلى مؤتمر دستوري جامع، يشمل جميع مكوّنات السودان، تتمخّض عنه حكومة انتقالية تضع دستوراً دائماً وتدير البلاد إلى حين إجراء انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة.