يستعيد فلسطينيو سوريا هذه الأيام أحاديث آبائهم وأجدادهم عن نكبة فلسطين في العام 1948، ويحاولون أن يقارنوا بين معاناة أسلافهم التي لم يتوقفوا عن الحديث عنها طوال حياتهم، وبين نكبتهم الجديدة في مخيماتهم وأماكن تجمعاتهم والتي تحول أكبرها، مخيم اليرموك، إلى ساحة اقتتال أجبرتهم على الرحيل عنه إلى منافي عربية وأوروبية عديدة.
وفي كل يوم تحمل الأخبار جديداً حول غرق سفينة هنا أو نجاة سفينة هناك على الشواطئ اليونانية أو الإيطالية، الكثير من ركاب هذه السفن هم من فلسطينيي سوريا، الحالمين ببقعة أمان في الشمال الأوروبي.
بؤس متجدد
كان فلسطينيو سوريا، إلى ثلاث سنوات خلت، يتحدثون بفخر عن حالة «شبه المساواة» التي يتمتعون بها مع أشقائهم السوريين، مقارنة من أبناء جلدتهم في لبنان أو العراق ما بعد عام 2003، أو غيرها من المنافي التي اعتادوا المعاناة فيها، غير أن وضعهم الآن فاق أي تصور، وبؤسهم يكاد يزيد على بؤس آبائهم وأجدادهم الذين غادروا فلسطين قبل 66 عاماً.
القصف اليومي على مخيم اليرموك واشتداد المعارك في أزقته، اضطر الكثيرين للهرب ذات فجر قبل عام نصف العام تقريباً. ترك الكثيرون كل شيء خلفهم وفروا من عنف القصف وعشوائيته وهمجيته، بينما فضل آخرون البقاء رغم كل شيء، ولسان حالهم يقول: لن نكرر تجربة الآباء بالفرار مرة أخرى. وهؤلاء دفعوا ثمناً مضاعفاً فبالإضافة إلى تعرضهم للقصف العشوائي من جبل قاسيون، عانوا أسوأ مجاعة يمكن أن يتعرض لها بشر إذ قضى العشرات منهم بسبب الجوع، بالإضافة إلى مئات نتيجة القصف أو التعذيب في معتقلات النظام.
جماعة جبريل
حاول الفلسطينيون في بداية الأزمة السورية أن يتجنبوا الوقوف مع طرف ضد آخر، من أطراف الصراع، ولكن النظام زج بجماعة أحمد جبريل في أتون المعركة، وحاول أن يخلق حساسية بين الفلسطيني والجولاني في مخيم اليرموك وفي باقي المخيمات، عبر قمع التظاهرات ومهاجمتها والاعتداء عليها.. ولذلك يحمّل الكثير من الفلسطينيين النظام وأحمد جبريل مسؤولية ما وصلوا إليه من بؤس وتشرد، فلولا تدخل ميليشيات جبريل منذ بداية الثورة السورية، لما حصل ما حصل.
وكان واضحاً أن النظام السوري لم يكن يرضى للفلسطينيين سوى لعب دور واحد، وهو الوقوف إلى جانبه والمساهمة في قمع المتظاهرين، وعندما لمس إصراراً على الحياد من مخيم اليرموك، والقيام بواجب الإغاثة للأحياء المنكوبة المجاورة، قرر أن يحول المخيم إلى ساحة للقتال، فلم يتوقف القصف عليه طوال عام كامل، ولولا استغاثات المنظمات الإنسانية والضجة الدولية التي رافقت أخبار الموت جوعاً في المخيم، لما سمح بدخول المواد الغذائية الشحيحة التي تبقي من بقي في المخيم على قيد الحياة دون أدنى ترف.
هي نكبة أخرى، لها طعم آخر، لا يعرفه سوى من ذاق مرارة الجوع والتشرد هرباً من قصف عشوائي أعمى، لا يتوقف على مدار الساعة.
دمار شامل
تشير الإحصاءات إلى مقتل نحو 2000 فلسطيني على كامل الأراضي السورية، وبالإضافة إلى مخيمي فلسطين واليرموك لم يعودا صالحين للعيش، هناك مخيمات الحسينية والسيدة زينب ومخيم درعا في الجنوب ومخيم حندرات في الشمال قرب حلب، أيضاً لم تعد كلها صالحة للحياة. البيان