تعاملت واشنطن مع زيارة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا وكأنه رئيس دولة.
لقاءته شملت أركان الإدارة والكونغرس، واليوم الاثنين يلتقي الرئيس باراك أوباما ومستشارته للأمن القومي سوزان رايس في البيت الأبيض.
خطاب الحرص والترحيب والتكريم الذي سمعه لا يحظى به عادة إلاّ حلفاء واشنطن المقربين. لغة التضامن معه ومع قضيته بلا حدود. لكن بالكلام المعسول. وفي أحسن الأحوال، بالتجاوب الرمزي مع حاجاته الماسة لا أكثر.
منذ وصوله مع وفد التحالف إلى العاصمة الأميركية، أعطى الجربا الأولوية في زيارته لمطلب التسليح. وبالتحديد السلاح المضاد للطيران لـ«تحييد سلاح الجو السوري» الذي يشكل التحدّي الأكبر للثورة مع «البراميل المتفجرة»، كما قال.
كرّر هذا المطلب العاجل في كل مناسبة وفرصة وجعلها تبدو على أنها محور مهمته في واشنطن.
عناوين الإدارة
ومنذ اليوم الأول أيضاً حرصت الخارجية الأميركية على رسم حدود التوافق معه.
قالت ما يفيد بأن التسليح غير وارد، فهو «لا يشكل مدخلاً للحديث»، وحتى تكون واضحة أكثر عمدت إلى التذكير بعناوين سياسة الإدارة الستة تجاه الأزمة السورية: «مواجهة العنف والتطرف، العمل على اجتناب انهيار الدولة ومؤسساتها، منع استخدام أو نقل الكيماوي، تعزيز أمن الجوار، تخفيف المعاناة الإنسانية السورية والعمل لتحقيق عملية انتقالية عبر المفاوضات».
لا ذكر للنظام ولا للتجديد القادم للأسد. عبارة «عليه الرحيل» طارت من قاموس الإدارة، وأيضاً لا ذكر للتسليح.
«فالإدارة لا تعتقد بأن الحل السياسي بات مستبعداً»، كما قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية.
أسلحة المعارضة
بعد جنيف 2 لا يبدو مثل هذا الكلام سوى معاندة مغرضة. ربما لتبرير مقولتها بأن «لا حل عسكرياً للأزمة». إذاً لا بدّ وأن يكون الحل سياسياً، وواشنطن تدرك جيداً أن مثل هذا المخرج لا أرضية له في الوقت الراهن، ويوم حسبت أن أرضيته متوفرة، انهار.
ثم في ذات الوقت الذي تنفي فيه إمكانية الحل العسكري، تزعم بأن عزوفها عن تزويد المعارضة بأسلحة فعاّلة يعود إلى خشيتها من «وقوعها بأيد المتطرفين»، أي أنه لولا هذا التخوف المزعوم، لكانت فعلت واستطراداً لكانت قناعتها مختلفة بالنسبة للخيار العسكري.
ذريعة التخوف هذا، لم تعد تنطلي حتى على الكثيرين في واشنطن.
وثمة من المراقبين من تساءل: لماذا أخذت الإدارة كل هذا الوقت للموافقة على تزويد المعارضة «المعتدلة» بصواريخ «تاو» المضادة للدروع؟ وإذا كان الجيش الحرّ قادراً على استخدام هذا السلاح وحمايته من الوقوع بأيدي «داعش» أو «النصرة» فلماذا لا يؤتمن على مضادات جوية؟ رئيس التحالف تعهّد خلال لقاءاته بوضع هذه الصواريخ «بأيد أمينة».
ورقة وترضية
بقطع النظر عن مدى الخطر في تسليم مثل هذا السلاح، لواشنطن حسابات أخرى أبعد من هذا الاعتبار، سوريا صارت بالنسبة لها ورقة في لعبة أكبر، وضع حدّ لأزمتها، ليس غاية لها موجباتها بحدّ ذاتها.
ففي المنطقة ما هو أبدى منها، هي تابع له، وهذا ما يفسّر هشاشة تعليلات الإدارة لسياستها، بل تناقضات وعدم تماسك هذه السياسة.
هي ترفض التسليح الفعّال لأنه يؤدي إلى حصيلة قد تخرّب عليها ملفات أخرى معروفة هي أهم بالنسبة لها، لذلك تلجأ إلى «مساحيق التجميل»، مثل رفع درجة التمثيل الدبلوماسي لمكتب الائتلاف في واشنطن مع مساعدة «غير فتاكة» بقيمة 27 مليون دولار، فضلاً عن التكريم الذي أحاطت به رئيس التحالف والذي يتكلل بلقائه أوباما.
بذلك، تكون قدّمت ترضية إلى المعارضة التي ليس لها خيار غير قبولها، كما إلى الجهات التي يهمها أمر هذه الأخيرة.
