وكأن مناشدة زعيم القاعدة أيمن الظواهري التي جاءت في سياق تهدئة النفوس وحقن الدماء بين قطبي الحركة الجهادية في سوريا «جبهة النصرة» و«داعش»، ارتد مفعولها عكسياً، بما صبّت من زيت على النار بين الطرفين المتخاصمين حول أحقية تمثيل التيّار الجهادي. ولعل «جبهة النصرة» التي نشرت بيان لها ترحيباً بمبادرة الظواهري التي تدعو إلى وقف القتال والتراشق الإعلامي، بدّلت الأجواء المشحونة واشتعال سعير المعارك مع «داعش» في محافظة دير الزور رأيها، وسط أنباء عن معركة وصفت ضراوتها بأنها أكثر شراسة منذ اندلاع المواجهات بينهما. ويرى مراقبون أنّ «الأسباب الرئيسة الكامنة وراء هذا القتال الشرس، ترتبط بالدرجة الأولى في بعد التنافس حيال أحقية تمثيل راية الجهاد في بلاد الشام، واتهام كل طرف للآخر بخرقه قواعد الجهاد وفق عقيدة الجهادية السلفية، والانجرار وراء تعظيم النفوس والسلطة والمغالاة في التعاطي مع الحاضنة الاجتماعية، وتشرذم الساحة الجهادية بين الصبغة الشامية المحلية المتجسّدة في «جبهة النصرة»، وبين دمج التيّار الجهادي في العراق والشام وفق ما يشدّد عليه جماعة البغدادي، في ظل الشرخ الحاصل في الرؤى بين جماعة البغدادي والجولاني في محاربة النظام من عدمه كضرورة مرحلية اضطرارية.

مخالفة مضمون

إنّ دعوة الظواهري، وإنْ لقيت تجاوباً ظاهرياً من قبل جبهة النصرة، فإنّ المؤشّرات الميدانية خالفت مضمون رسالته، ما شكّل بدوره علامة فارقة في مدى امتثال «جبهة النصرة» لتطبيق القرارات المركزية الصادرة من أمير «القاعدة»، إذ تعالت أصوات من مناصري النصرة عبر موقع «تويتر»، بأنّه آن للجولاني الخروج على بيعة الظواهري بعد خطابه الأخير.

خلخلة »داعش«

ويرى محلّلون في شؤون الجماعات الجهادية، أنّ «مغزى خطاب الظواهري الأخير، كان يهدف إلى خلخلة تنظيم «داعش»، عبر خلق الاضطراب والتشرذم بين صفوف البغدادي، تمهيداً لاستعادة عناصر «القاعدة» التي أخرجهم البغدادي من بيعة الظواهري، إثر انقلاب البغدادي وجماعته على الشرعية المركزية الراسخة في تنظيم القاعدة»، مشيرين إلى أنّ «هذه الخطوة التكتيكية التي استشفت رائحتها جبهة النصرة والتنظيمات الإسلامية، عمّقت الهوّة بين الظواهري والنصرة، إذ وجّه مجاهد ديرانية، انتقادات لاذعة لخطاب الظواهري، واصفاً إياه بالمتردّد والضعيف والمهادن لـ «داعش»، بغرض استعادة عناصره.

إفراغ محتوى

ويمضي المحلّلون إلى القول إنّه «ومن الواضح أنّ هذه المقاربة لم تأخذ بعين الاعتبار ما تعرّضت له «جبهة النصرة» من انتهاكات جسيمة على يد «داعش»، ما قد يفرغ محتوى دعوات المصالحة والوئام من مضمونها، وأنّها لن تجد آذاناً مصغية عملياً.

خروج من المعادلة

ويلفت المراقبون إلى أنّ «الاستفراد بأحقية الجهاد في سوريا والاستقلالية عن المركز، يحتم خروج طرف من المعادلة ليكرّس الآخر هيمنته على الساحة الجهادية، بعدما نفذت جميع السبل أمام الحلول التوافقية»، الأمر الذي يفسّر إقدام «جبهة النصرة» على فتح جبهة عسكرية في محافظة دير الزور ضد «داعش»، إذ تشكّل هذه البقعة الجغرافية حلقة الوصل بين جماعة البغدادي في العراق وسوريا.