على مسافة يومين من جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية المقررة غداً الأربعاء، التأمت جلسة لهيئة الحوار الوطني «بمن حضر»، أمس، في القصر الجمهوري، وكانت نسخة طبق الأصل عن الجلسة الماضية، لجهة حضور أقطاب الهيئة، وغياب البعض الآخر، بعد إخفاق المساعي التي بُذلت للمّ شمل جميع الأقطاب الذين غابوا سابقاً، ولا سيما «حزب الله» و«القوات اللبنانية» وأطرافاً في «قوى 8 آذار».

وكان متوقعاً ألا تخرج هذه الجلسة بأية معطيات سياسية حقيقية، في ضوء مقاطعة قوى أساسية لها، معطوفة على استعداد الرئيس ميشال سليمان لمغادرة سدّة الرئاسة في 25 من الجاري، ما أسبغ عليها الطابع الشكلي.

استحقاق متأرجح

وفيما لا يزال الاستحقاق الرئاسي، بمهلته الدستورية الداهمة، متأرجحاً بين مساعي التوافق وبين ترجيح تخطّي المدة الدستورية للانتخاب في 25 من الجاري إلى فراغ مؤقت، فقد اصطلِح على تسمية جلسة يوم أمس الحواريّة بـ«الجلسة الوداعيّة» لصاحب الدعوة، أي الرئيس سليمان، على بُعد 20 يوماً من مغادرته القصر.

أما التساؤلات، فبدأت تُطرح حول مصير الحوار في المرحلة المقبلة، وسط معطيات تفيد بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري قد يتجه نحو استعادة المبادرة الحواريّة، في مرحلة الفراغ الرئاسي، بحيث يتولّى هو توجيه الدعوات، في إحياء لسيناريو طاولة الحوار عام 2006.

نبرة عالية

وكان الرئيس سليمان استبق جلستَي الحوار (أمس) والانتخاب (غداً)، برفع نبرته كرئيس مؤتمن على الدستور، فطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وطرح موقفاً جديداً من قدرة الحكومة على ملء الفراغ الرئاسي، إذ رأى أن «حكومة التوافق، التي تحمل في ذاتها عناصر تناقضاتها في الخيارات الكبرى.

لا تستطيع ملء الفراغ والقيام بالمهام الوطنية، في غياب رئيس الجمهورية، الناظم الأول لعمل المؤسسات والسياسة الخارجية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والذي يتمتع بصلاحيات دستورية حصرية لا تؤول كلها في المطلق إلى مجلس الوزراء مجتمعاً».

كما دعا النواب والقيادات ألا يعلّقوا الاستحقاق والدستور على حبل التوافق الخارجي المفقود.

وخلال افتتاحه قرية رياضية تحمل اسمه في مدينة جبيل، أول من أمس، شدّد سليمان على أن التلكّؤ عن واجب انتخاب الرئيس هو «تنكّر لمبادئ الجمهورية، وتهديد للكيان الوطني، وتشريع لاحتمالات خطرة»، داعياً إلى ضرورة استكمال تطبيق اتفاق الطائف، وعدم استدراج البلاد والعباد إلى مؤتمر تأسيس (من خلال الفراغ) قد يؤدّي، في أحسن الأحوال، إلى الإخلال بالميثاقية والمناصفة، مشيراً إلى أن لبنان «في حاجة اليوم إلى رئيس يمثل الوفاق والدستور والحكمة، يكون قادراً على إدارة التنوع اللبناني، لا مديراً لمصالح الدول وحسابات المحاور الخارجية والداخلية».

خطبة الوداع

وإذا كان خطاب جبيل وصف بأنه الخطاب ما قبل الأخير، من خطب الرئيس سليمان الوداعية، قبل انتهاء عهده في 25 من الجاري، فإن جلسة هيئة الحوار الوطني التي انعقدت أمس كانت وداعية أيضاً، وتخلّلتها كلمة شاملة للرئيس سليمان، دعا فيها الرئيس الذي سيأتي من بعده إلى مواصلة انعقاد هذه الهيئة في العهد الرئاسي الجديد، انطلاقاً من أن «الحوار ضرورة للبلد».

كما عرض سليمان في كلمته لخلاصة جلسات الحوار المتعاقبة، تضمّنت ثلاثة عناوين رئيسية، هي: «الحاجة لبناء استراتيجية دفاعية لمواجهة الأخطار الإرهابية والتهديدات الإسرائيلية»، و«الحاجة لـ«إعلان بعبدا» الذي ينصّ على حياد لبنان عن الأزمات الدولية والإقليمية»، و«أزمة النازحين السوريين وكيفية مواجهتها».

مسيرة الحوار

 

انطلقت جلسات الحوار الوطني اللبناني في مارس 2006، بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعقدت سبع جلسات خلال عام 2006 برئاسته، إلى أن توقف بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006. واتفق خلال الجلسات على ميثاق شرف لتخفيف الاحتقان السياسي ونزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.

وفي عام 2008، استؤنف الحوار بعد اتفاق عقد في الدوحة انتهى إلى انتخاب قائد الجيش في حينها ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وترأس سليمان 18 جلسة منذ سبتمبر من ذلك العام حتى يوم أمس.

قدّم الرئيس سليمان، في سبتمبر 2012، تصوّره حول الاستراتيجية الوطنية للدفاع عن لبنان، الذي ينصّ على وضع سلاح «حزب الله» بتصرف الجيش، ووصف ثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة»، التي كانت في صلب البيانات الوزارية السابقة، بـ«المعادلة الخشبية». وحينها، ردّ «حزب الله» منتقداً بشدة سليمان بالقول: «ساكن بعبدا لم يعد يميز بين الذهب والخشب».