تحملت محافظة حمص، الأكبر من حيث المساحة في سوريا، حملاً ثقيلاً منذ انطلاق الثورة قبل أكثر من ثلاثة أعوام لجهة الكم الهائل من النيران التي واجهتها من النظام بسبب موقعها الاستراتيجي وتداخلها مع حواضنه الشعبية واتصالها بالحدود اللبنانية. وتحتل المحافظة المرتبة الثالثة من حيث عدد الضحايا بعد محافظتي ريف دمشق وحلب، ونالت نصيبها من المجازر مثل كرم الزيتون والخالدية وباب سباع والرستن والتريمسة، فضلاً عن تسجيلها معارك بين قوات النظام والثوار حصدت شهرة واسعة مثل معركة بابا عمرو. ومن هنا، يمكن تفسير الهجمة المركزة التي شنها بشار الأسد على «عاصمة الثورة» والحصار المطبق الذي فرضه منذ مايو 2011 وشدده صيف 2012، ساعده في ذلك الجيوب العلوية الموالية في أحياء المدينة، التي لعبت دور مخلب القط وبعض القرى المجاورة، بالإضافة إلى تدخل ميليشيا حزب الله وحاضنته في البلدات اللبنانية الحدودية. وطبّق النظام والميليشيات السورية والخارجية المتحالفة معه استراتيجية بسيطة تقضي بخنق الأحياء الموالية للمعارضة تماماً وتجويعها حتى ترضخ لشروطه بعد استنزافها تماماً بالتوازي مع تأمين الخاصرة الجنوبية، متمثلة بقطع خطوط الإمدادات من لبنان، في أسلوبٍ ممنهج تم بتمهلٍ شديد، على أن يرافق كل ذلك تضخيم إعلامي مدروس يسبق أي معركة يعلم الجميع أن النظام سيربحها سلفاً بسبب اختلال موازين القوى بشكلٍ كبير، حيث كان الأسد وحلفاؤه يعمدون إلى إطالة أمد أي معركة بإمكانهم كسبها في أيام (مثل ما حصل في بابا عمرو)، بهدف أسطرة النموذج المقاوم، بحيث يكون حجم الضربة المعنوية كبيراً حينما تحين ساعة السقوط.
لينينغراد سوريا
والحصار الذي فُرض على أحياء حمص لا يشابهه في المثيل سوى ما حصل لمدينة لينينغراد السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية، التي حوصرت من القوات النازية لأكثر من عامين، حتى إن سكانها كانوا يأكلون الجرذان في الشوارع، ولم تنته مأساتهم إلا بعد تقهقر النازيين على جبهات أخرى. وعاش عناصر الكتائب المعارضة في حمص فعلياً على القطط وأوراق الشجر فترة طويلة وهم صامدون يرفضون الانسحاب، لكن الأمر أسقط من يدهم في نهاية المطاف، لأن النظام اتبع التكتيك غير الأخلاقي في الحروب القائل بأن المدنيين يمكن أن يشكلوا أهدافاً عسكرية إن كان في استهدافهم مكاسب على الأرض. وما لبث أن نجح النظام في إعادة السوريين المقاومين في حمص إلى الغرائز. أي إلى الأساسيات التي يشعر أي إنسان بأنه بحاجة إليها.. مثل الطعام والشراب. فكما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه لا يمكن الحديث عن الحريات والديمقراطيات والثورة أمام شخص يموت طفله بسبب فقدان زجاجة الحليب. علم الأسد منذ البدء أنه بصدد معركة ستستمر لأعوام، وجهز وفريقه أنفسهم لذلك، وهو ما غاب عن ذهن المعارضة وداعميها. طبعاً، لم يكن هناك مشكلة لدى الأسد في حقيقة أن حرباً لأعوام تعني دماراً شاملاً لسوريا.
مآخذ المعارضة
والحال، أن النظام ما كان لينجح كذلك في تحقيق هذا التقدم في حمص (وكذلك في ريف دمشق الذي يشبه حاله حال حمص) لولا الخلافات الكبيرة بين فصائل المعارضة وحالات الاختراق التي حصلت في أكثر من مناسبة واستطابة فصائل استمرار المعارك لجني المكاسب المادية، حتى إن بعض الكتائب المقاتلة قصفت أخرى حينما أرادت مهاجمة حواجز للنظام تشارك في عملية الحصار، فضلاً عن أن كتائب أخرى (في الريف الشمالي مثلاً) لم تحرك ساكناً لدعم زميلاتها في الأحياء المحاصرة.
وعلى كل حال، الهزيمة في معركة لا تعني نهاية الحرب. فمن المتوقع أن يعمد الثوار مستقبلاً إلى اتباع تكتيك الكر والفر (حرب العصابات) بدلاً من الاحتفاظ بأحياء وبلدات بما يحمله ذلك من تكلفة باهظة بالنظر إلى سيطرة النظام على الجو. كما أن أسلوب المفخخات بدأ يظهر بوضوح أكبر، وهو ما يعني أن حرب الاستنزاف التي تشهدها سوريا لن تنتهي في المستقبل القريب، والغلبة لمن يصبر أكثر ويضع استراتيجية حصيفة وهدفاً واضحاً لا يحيد عنه.
خلفية
اتفاق وقف النار في حمص يشمل إطلاق الثوار ضابطاً روسياً وآخرين من إيران، فضلاً عن فك حصار قريتين شيعيتين في ريف حلب.