لا يمكن إعطاء صيغة محددة لشكل الحكومة العراقية المقبلة، حتى بعد شهر من الآن، وهو الموعد النهائي المحدد من قبل مفوضية الانتخابات لإعطاء النتائج المصادق عليها التي على ضوئها تتحدد التحالفات المستقبلية. إلا أن هناك مؤشرات يمكن قراءتها بعدم قبول الكتل السياسية، وحتى القوى الإقليمية والدولية، لرئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، ما يعني أن حكومة جديدة قادمة بوجوه وتحالفات جديدة، وهي في كل الأحوال بالضد من حكومة الأغلبية السياسية التي ينادي بها المالكي حتى لو تم تكليفه هو شخصياً تشكيلها. فالمقاعد الـ50-60 المتوقع حصول ائتلافه عليها، من أصل 328 مقعداً، إضافة إلى تركيبة الشعب العراقي، تفرض واقع الشراكة مع تحديد أطر حقيقية لها تميزها عن المحاصصة.
ويرى مراقبون سياسيون أن كسر حاجز تحالفات الطوائف قد يكون له أهميّة كبرى في إدارة عمليّة سياسيّة أكثر حيويّة خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يضمن في الوقت نفسه الاستقرار السياسي المطلوب لمواجهة التحديات الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي تهدّد العراق منذ أعوام.
تنافس وتحالفات
ويشير المراقبون إلى أن الحكم يدار خلال الأعوام الثمانية الماضية من قبل «الائتلاف الشيعي»، وهو ما اعتبرته المحكمة الاتحادية يمثل «الأغلبية» البرلمانية أو السياسية. وعلى هذا الأساس، منح المالكي الولاية الثانية. إلا أن الائتلاف نفسه الآن يرى أن حزب المالكي التفّ عليه، ولا يمكن أن يمنحه أغلبية مرة أخرى، لا سيما مع ظهور كتل تنافس ائتلاف دولة القانون داخل الائتلاف الشيعي، مثل المجلس الأعلى الإسلامي، بزعامة عمار الحكيم والتيار الصدري اللذين من المتوقع حصولهما معاً على 90-100 مقعداً.
وفي الجانب الآخر، يرفض الأكراد، نحو 50 مقعداً، التحالف مع المالكي، ويميلون إلى التحالف مع تياري الصدر والحكيم، إلى جانب ائتلاف الوطنية برئاسة أياد علاوي، المتوقع حصوله على 25 مقعداً، إضافة إلى ائتلاف متحدون (السني)، برئاسة رئيس البرلمان أسامة النجيفي الذي أكد لدى إدلائه بصوته في الانتخابات أنه لن يتحالف مستقبلاً مع المالكي بأي شكل كان، ما يمكّنه من التحالف بمقاعده الـ20 المتوقع حصوله عليها مع الجهة المعارضة لرئيس الوزراء العراقي.
ويرى المحلل السياسي زيد الزبيدي أن بإمكان القوى المعارضة للمالكي الحصول على أغلبية سياسية من خلال تحالف الأكراد مع تياري الصدر والحكيم، إضافة إلى ائتلافي النجيفي وعلاوي وكتل سياسية أخرى، إذ أثبتت تجارب البرلمان السابق إمكانية ذلك، ما جعل المالكي «يثور» على البرلمان، ويؤكد في مناسبات عدة عدم شرعيته.
تشكيل الحكومة
وتبقى مشكلة تشكيل الحكومة قائمة ربما إلى فترة طويلة، لأن المفروض أولاً انتخاب رئيس للجمهورية، بأغلبية ثلثي عدد الأصوات، 213 صوتاً، وهذا أمر شبه مستحيل إلا بالصيغة التوافقية. وفي حال عدم حصول أحد على هذه النسبة، يجري التصويت بالأغلبية المطلقة على أحد مرشحين حصلا على أعلى الأصوات. كما أن رئيس الحكومة المقبلة يجب أن يجمع 170 صوتاً، وكذلك رئيس البرلمان، وهذا غير ممكن للمالكي، ولا لأي شخص في ائتلاف دولة القانون.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي مشرق عباس أن هذه «التشكيلة من شروط التصويت، كانت فرضت خلال الأعوام الماضية جمع ثلثَي أعضاء البرلمان لتنفيذ صفقة سياسيّة تشمل مناصب رئيس الجمهوريّة ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة في سلة واحدة، ما تطلب عملياً مشاركة كل القوى السياسيّة الرئيسة في الحكومة، وهذا الأمر لا يسمح حالياً لأي قوة سياسيّة بالحصول على هذا العدد من المقاعد، إلا في حال شكلت ائتلافاً سياسياً من قوى عدّة أخرى».
ويضيف عباس أن «المشكلة التي تقف بوجه أي حكومة عراقيّة يمكن أن تتشكل على أساس هذا السيناريو، هي وجوب أن تكون ممثلة للمكونات الثلاثة الرئيسة (الشيعة والسنّة والأكراد)، في ظل انقسام مذهبي وقومي واضح للعيان، وهو الأمر الذي سيجعل تشكيل تحالف بين مكوّنَين وإبعاد مكوّن آخر إلى صفوف المعارضة، مستحيلاً، فذلك سيطرح حكومة أغلبية مذهبيّة لا سياسيّة، ما يهدّد وحدة البلاد، ويضع مبرّرات جديدة لتقسيمها».
مواقف إقليمية
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، يرى المراقبون أن الإشارات الأميركية للكتل السياسية بطلب حصانة لرئيس الوزراء المنتهية ولايته تعبر عن انتهاء دور المالكي في الحكم.
أما بالنسبة إلى الجانب الإيراني، فنشر موقع «تابناك» التابع للحرس الثوري الإيراني قبل أيام تقريراً بعنوان «لا أحد يريد المالكي في العراق»، مؤكداً أنه الأقل حظاً في التحالفات المستقبلية لتولي المنصب مرة أخرى، على الرغم من إصراره وكتلته على الاستمرار في ولاية ثالثة، متقصياً أيضاً آراء المرجعية الدينية والكتل السياسية الأخرى السلبية بشأن قائمة دولة القانون وشخص المالكي.
ويرى مراقبون أن تقرير موقع الحرس الثوري الذي يعد المكون الأكثر نفوذاً في إيران، يعتبر رسالة واضحة لتخلي إيران عن رئيس الوزراء المنتهية ولايته، مشيرين إلى أن هذا الأمر يأتي في ظل موقف مرجعية النجف من المالكي، ودعوتها إلى التغيير، وإصدار المرجع النجفي فتوى بحرمة انتخاب المالكي.
تداول أسماء
يتداول الشارع العراقي أسماء عدة لتولي حكومة جديدة تحظى بمقبولية معقولة، مثل عضو ائتلاف دولة القانون المنسحب محمد جعفر الصدر، ونائب الرئيس السابق عادل عبد المهدي، ورئيس حزب المؤتمر الوطني أحمد ألجلبي، فيما يتردد اسم نائب رئيس الوزراء السابق برهم صالح، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني للرئاسة الذي يحظى بالقبول حتى من ائتلاف دولة القانون. البيان
