تحدى العراقيون أمس التهديدات الأمنية، إذ شاركوا بقوة في أول انتخابات تشريعية منذ الانسحاب الأميركي، وثالث انتخابات من نوعها منذ غزو 2003، وسط هجمات بالقنابل وقذائف الهاون، استهدفت مراكز الاقتراع في مناطق متفرقة قتل فيها 21 شخصاً.

ورغم الهجمات الدامية التي ضربت البلاد على مدى اليومين الماضيين، وقتل فيها العشرات، اصطف الناخبون منذ فتح مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة السابعة صباحاً، ينتظرون دورهم للتصويت للتغيير.

وأمام مركز اقتراع في غرب بغداد، وقف عشرات الناخبين وهم ينتظرون دورهم لدخول المركز والإدلاء بأصواتهم، وسط إجراءات أمنية مشددة، تشمل تفتيش الناخبين قبل دخولهم، وتترافق مع حظر لتجول المركبات في بغداد ومناطق أخرى من البلاد.

فساد

وقال جواد سعيد كمال الدين (91 عاماً)، وهو يهم بمغادرة المركز بمساعدة أحد عناصر الشرطة «أتمنى أن يتغير أعضاء البرلمان، لأن غالبيتهم العظمى سرقوا ونهبوا أموال البلاد».

وأكد من جهته أبو أشرف (67 عاماً) «جئت أنتخب من أجل أطفالي وأحفادي لتغيير أوضاع البلاد نحو الأفضل»، مضيفاً «من الضروري تغيير غالبية السياسيين لأنهم لم يقدموا شيئاً. نريد رئيس وزراء وطني يعمل لخدمة العراق، بعيداً عن الطائفية».

وفي النجف، قالت أم جبار (80 عاماً)، التي كانت أول من دخل مركز اقتراع في وسط المدينة «جئت لأؤدي الواجب، فإذا لم نحضر من يحضر، هل يحضر العدو؟». وتابعت «نريد الأمان والاستقرار للبلاد ومواجهة الإرهابيين بأصواتنا»

واعتبر من جهته عادل سالم خضير (55 عاماً) في مدينة البصرة الجنوبية، أن «الاقتراع سيحدث التغيير، لكي لا تبقى الدكتاتورية تحكم العراق، فنحن نريد ديموقراطية حقيقية، لا ديموقراطية أحزاب دينية. نعم للتغيير».

نسبة مشجعة

في الأثناء، قالت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، إن الإقبال على التصويت كان متوسطاً.

وسارت الانتخابات في وسط العراق وجنوبه دون عقبات تذكر، لكن الإقبال كان بطيئاً في المناطق السنية، حيث يخشى السكان من قوات الأمن ومن مسلحين يستلهمون فكر «القاعدة».

وبدت أمس شوارع العاصمة، التي عادة ما تكون مكتظة بالسيارات وبزبائن المطاعم الشعبية التي تحتل الأرصفة، مدينة أشباح، حيث خلت تماماً من السيارات المدنية، وانتشرت فيها دوريات الشرطة والجيش وحواجز التفتيش للجيش والشرطة. ولم يجد الناخبون سبيلاً للوصول إلى مراكز الاقتراع سوى من خلال السير على الأقدام. ويتنافس في هذه الانتخابات 9039 مرشحاً على أصوات أكثر من 20 مليون عراقي، أملاً بدخول البرلمان المؤلف من 328 مقعداً.

مقتل 21

أمنياً، قتل أمس 21 شخصاً وأصيب العشرات بجروح، في سلسلة هجمات استهدفت مراكز اقتراع في مناطق متفرقة من البلاد، فيما كان العراقيون يدلون بأصواتهم. وشملت هذه الهجمات تفجيرين انتحاريين، وعشرين قذيفة هاون، ونحو عشر عبوات ناسفة، و11 قنبلة صوتية. وقال مصدر أمني رفيع المستوى في كركوك (240 كلم شمال بغداد)، إن «امرأتين قتلتا بانفجار عبوة ناسفة قرب مركز انتخابي في قضاء الدبس، الواقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شمال غرب كركوك، كما قتل خمسة جنود في انفجار عبوة ثانية وضعت أمام مركز انتخابي آخر بالقضاء ذاته».

وفي الموصل (350 كيلومتراً شمال بغداد)، أصيب شرطي ومدني بانفجار عبوتين ناسفتين قرب مركزي اقتراع في غرب المدينة، في حين قتلت القوات الأمنية ثلاثة مسلحين حاولوا اقتحام مركز انتخابي في جنوبي الموصل. كما منعت القوات الأمنية مسلحاً من دخول أحد مراكز الاقتراع في شرقي الموصل، إلا أنه فجر نفسه وقتل عسكريين.

وقتل أربعة من عناصر الشرطة وأصيب عشرة أشخاص بجروح، عندما فجر مسلح نفسه أمام مركز للتصويت في بيجي (200 كيلومتراً شمال بغداد)، حيث تمكن مسلحون من السيطرة على مركز انتخابي قبل أن يطردوا موظفي الانتخابات منه ويقوموا بتفجيره.

وفي بعقوبة، قتل ثلاثة عراقيين وأصيب خمسة بجروح بانفجار عبوة ناسفة قرب مركز اقتراع بشمال شرقي بعقوبة. فيما سقطت - وفقاً لمصادر في الشرطة - 18 قذيفة هاون، وانفجرت سبع عبوات ناسفة في عدة مناطق من مدينة سامراء (110 كيلومترات شمال بغداد) أدت إلى مقتل شخصين. وانفجرت كذلك 11 قنبلة صوتية في قضاء الطوز (175 كيلومتراً شمال بغداد)، لم تؤد إلى خسائر.

 

شكر

وجه رئيس البرلمان أسامة النجيفي، أمس، الشكر والعرفان للعراقيين الذين شاركوا بالانتخابات البرلمانية، رغم ضخامة التحديات وجسامة التهديدات، كما حيا مفوضية الانتخابات وجميع الأجهزة المساندة، على ما تم بذله من جهود للنجاح الاستحقاق.

وقال النجيفي في بيان: «أحيي ما بذلته نسوة العراق الماجدات وشيوخه الأكارم وشبابه المتألق بالعنفوان وإرادة التغيير، وأبارك لكم هذه المثابة النقية البيضاء، كما أحيي مفوضية الانتخابات وجميع الأجهزة المساندة لها على ما تم بذله من جهود جبارة، تمكنت من تحقيق هذا العرس العراقي الجميل».

 

تهنئة

هنأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري ملايين العراقيين الذين صوتوا حسبه، بشجاعة في أول انتخابات تشريعية منذ الانسحاب الأميركي من هذا البلد، معتبراً أن كثيرين أظهروا بطولة بتحديهم أعمال العنف. وقال كيري في بيان «بإبهامهم المطلي بالأزرق، بعث الناخبون العراقيون رسالة قوية إلى المتطرفين الذين يحاولون تخريب الجهود الرامية إلى إرساء الديمقراطية وزرع الفتنة في العراق والمنطقة برمتها».