فشل مجلس النواب اللبناني للمرة الثانية، أمس، في اختبار رئيس جديد للجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب من جراء غياب التوافق على اسم الرئيس، ما حال دون عقد الجلسة الانتخابية وإرجائها إلى الأربعاء المقبل.
فبعد مضي نصف ساعة على موعد جلسة مجلس النواب لاختيار الرئيس، وقبل أن تبدأ، أرجأ رئيس المجلس نبيه بري الجلسة إلى 7 الجاري، لعدم اكتمال النصاب. وتشير مسألة «تطيير النصاب» إلى بداية نشوب معركة جانبية حول مشروعية تعطيل النصاب أو عدمها، وإلى إبقاء الانتخاب الرئاسي معلّقاً لأجل غير مسمّى.
لا توافق
وكان عقد المحاولة الثانية لانتخاب رئيس الجمهورية انفرط، أمس، مع قرار تكتل «التغيير والإصلاح» الذي يرأسه النائب ميشال عون، والعديد من حلفائه في فريق «8 آذار» بعدم تأمين نصاب الجلسة، لتعذّر التوافق حتى الآن على هوية الرئيس، ولكونها لا تزال تمتحن فرص التوافق مع «تيار المستقبل» بزعامة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، على النائب عون.
وبحسب مصادر معنيّة، فإن المعادلة التي يراد لها أن تتحكّم بالجلسات الانتخابية، حتى إشعار آخر، تستند إلى إبقاء تطيير النصاب بمثابة الورقة البيضاء لدى فريق «8 آذار» إلى حين بتّ موضوع ترشّح النائب ميشال عون.
علماً أن تكتل «التغيير والإصلاح» قال إنه لا يؤمن بـ«جلسات فولكلور»، في وقت لا تزال الأنظار مشدودة إلى باريس، التي شهدت لقاءات بين سعد الحريري والوزير جبران باسيل، اتصلت برغبة النائب عون ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية توافقيّاً.
وبالاستناد إلى مصادر المعلومات، فإنه من المبكر توقع حدوث تقارب بين تيار المستقبل وعون في المدى المنظور، على وقع إعلان كتلة «المستقبل» النيابية استبعاد حصول توافق مع التيار الوطني الحر برئاسة عون، وتأكيدها أن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع هو المرشّح الذي أجمعَت عليه قوى 14 آذار، معتبرة أن برنامجه الانتخابي «يعبّر عن الأهداف الأساسية التي يمثلها تحالف انتفاضة الاستقلال وقوى 14 آذار».
وعلى مسافة أيام من انتهاء المهلة الدستورية في 25 من الشهر الجاري، أشارت مصادر نيابية في «8 آذار» لـ«البيان» إلى أن تعطيل النصاب هو حقّ ديموقراطي ومشروع، وإلى أن اكتماله يحتاج إلى توافق، في حين نقل زوّار بري عنه التأكيد أن دوره لن يقتصر على تكرار المواعيد، من دون طائل، وأنه قد يبادر إلى القيام بتحرّك سياسي في هذا الخصوص.
إنضاج ظروف
وإذ أكدت مصادر متابعة للملف أن بري يلعب في هذه المرحلة دوراً أساسياً في إنضاج ظروف انتخاب رئيس الجمهورية، بالاستناد إلى قراءته السياسية لطبيعة المرحلة ومقتضياتها، فإن مصادر فريق «14 آذار» استغربت أن يبرّر تكتل «التغيير والإصلاح» مقاطعته لجلسة الأمس بإيمانه باستحقاق جدّي لا بجلسات فولكلورية، غامزة من قناة مواظبة تكتل «التحرير والتنمية» الذي يرأسه بري على حضور الجلسات، وإن بما لا يؤمّن النصاب.
وفي ظل «الاهتراء الدستوري»، رأت المصادر أن المشهد الانتخابي أصبح كالآتي: مرشح «14 آذار» سمير جعجع سيتحصّن ومن معه في المجلس في انتظار نصاب لن يؤمّن، ورئيس حزب «الكتائب اللبنانية» أمين الجميل أمهل الحلفاء قبل الخصوم، بقوله: «سوف نصل إلى مرحلة ونفكّر فيها ببدائل، وهذا أمر طبيعي، وطبيعي أن أكون مرشحاً للرئاسة، إذا كانت الأمور مواتية»، أما النائب ميشال عون، فبدأ يشعر بتخلٍّ مبرمج من الحلفاء الذين تحدثوا جهاراً عن احتفاظهم بحق البحث عن بديل عنه، إذا تعذّر عليه تأمين دعم تيار «المستقبل».
وفي انتظار المحطة المقبلة وفي حين تكثر الاجتهادات المتضاربة إلى حدّ التناقض، إذ يجزم بعضها بحتمية الدخول إلى حقبة الفراغ في 25 الجاري، وتروّج تقديرات أخرى لـرئيس «وشيك» ضمن مهلة السماح الدستورية، فإن مصادر نيابية متعدّدة رجّحت عدم انعقاد جلسة الأربعاء المقبل، في ظلّ فقدان النصاب (أي ثلثَي أعضاء المجلس الـ128) وعجز أيّ فريق عن بلوغ الـ65 صوتاً (النصف 1) للفوز.
ومن أربعاء حتى آخر أربعاء، ستنتهي مهلة الشهرين، ما يعني دخول الاستحقاق الرئاسي في السلبيّة، وفي ظل الفراغ الرئاسي ستتولى حكومة تمام سلام زمام الحكم إلى حين نضج الظروف والمعطيات الإقليمية التي توفّر مقومات انتخاب الرئيس الجديد.
يذكر أنه للمرة الثانية منذ عام 2008، وعلى نحو لم تخبره استحقاقات رئاسية سابقة، أصبح انعقاد المجلس أكثر أهمية من الاقتراع في الدورة الثانية أو الدورات التي تليها. وبات نصاب الانعقاد هو الذي يصنع الرئيس، لا الأصوات التي يحوزها في دورات الاقتراع واحدة تلو أخرى، رغم أن القاعدة التقليدية تقول العكس: التئام المجلس حتمي من باب لزوم ما لا يلزم. أما الرئيس، فيصنعه الاقتراع. وتجدر الإشارة إلى أن استحقاق 2008 الذي أوصل الرئيس الحالي ميشال سليمان إلى سدّة الرئاسة، كان شهد تحديد 20 موعداً على امتداد ستة أشهر.
جعجع: لن نستسلم
في ضوء ما حصل تحت قبّة البرلمان، حذّر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في مؤتمر صحافي عقده، أمس، مما سماه «الابتزاز الكبير لضرب الديمقراطية والدستور»، وقال: «لن نستسلم تجاه الخطة التي وضعها الفريق الآخر. نحن سنواجه هذا التعطيل للحياة الدستورية والديمقراطية بالإصرار على العودة للحياة الديمقراطية الحقة، من خلال دعوة الفريق الآخر أكثر وأكثر لأن يعلن مرشحه مع برنامج عمل له».