بدت زيارة وزير خارجية مصر نبيل فهمي لواشنطن في ضوء حصيلتها، وكأنها بداية تحوّل باتجاه العمل على تذويب جليد العلاقات بين مصر وواشنطن. صحيح أنه تخلّلها الكثير من المصارحة والمفاتحة وتسجيل المآخذ المتبادلة. لكن ذلك كان من دواعي المراجعة.

إدارة أوباما حرصت على تأكيد أهمية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين المحتاجين لها، من دون أن تجعلها مرهونة بتلبية شروط ومطالب محدّدة. الجانب المصري شرح سياساته وتسويغاتها، من دون أن يربط عزمه على تعزيز «الشراكة البالغة الأهمية»، بقبولها. بذلك تبلورت المساحة المشتركة التي شدّد الطرفان على ضرورة توسيعها في المرحلة المقبلة، بعد انتخابات الرئاسة المصرية.

إشادة وانتقاد

الإدارة الأميركية لم يعد لديها مشكلة بخصوص العملية السياسية في مصر. وزير الخارجية جون كيري حرص على التنويه بالخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية حتى الآن. طالب بشمولها جوانب أخرى تتعلق «بالحريات وتوسيع المشاركة السياسية» مع التركيز على «موضوع المحاكمات الشمولية والمتسرّعة» التي أصدرتها بعض المحاكم المصرية بحق متهمين معارضين في الأيام القليلة الماضية. فهذ الموضوع كان حديث الإعلام والمراقبين في الآونة الأخيرة.

الصحف الكبرى عملت منه عناوين افتتاحياتها وصفحاتها الأولى مراراً وتكراراً وبصيغة إدانة حادة للنظام المصري. كما اتهمت إدارة الرئيس باراك أوباما بالتراخي، تجاه هذه الممارسات.

ملاحقة وسائل الإعلام هذه، قيّدت حركة الإدارة وحملتها على مفاتحة الوزير فهمي بالموضوع. ويبدو أن واشنطن سمعت قبل وأثناء زيارة الوزير فهمي، ما جعل خطابها أكثر تفهماً للوضع المصري ولو شدّدت على الباقي من الإصلاحات.

ومن هنا كان تكثيف لقاءاتها بكبار المسؤولين المصريين. عقدت مباحثات مع الجنرال محمد فريد التهامي مدير المخابرات المصرية الذي قام بزيارة لواشنطن.

ثم جاء الوزير فهمي وقام بجولة سياسية واقتصادية شملت لقاءات بقطاعات الأعمال ومحاضرات في مراكز أبحاث، فضلاً عن الكونغرس ووزارة الخارجية وكبار المسؤولين في الإدارة. شرح وسمع، بلّغ وتبلّغ.

تعاون ودعم

وفي ظلّ هذه الأجواء الواعدة، قررت الإدارة تزويد مصر بعشر مروحيات من طراز أباتشي الهجومية ورفعت الصفقة مع جزء من المساعدات بقيمة 650 مليون دولار إلى الكونغرس للحصول على موافقته المطلوبة. الردود التي توالت من مجلس الشيوخ كانت سلبية. بل إن بعَضها يدعو إلى شطب مساعدات مصر برمتها. حتى المعتدلون منهم، اشترطوا ـ بتأثير الضجة على المحاكمات ـ تصحيح سياسات مصر الداخلية قبل الموافقة على المساعدات.

لكن الإدارة تعاملت مع هذا الرفض وكأنها قادرة في آخر المطاف على تليينه وبالتالي تجاوزه. فالكونغرس لا يقوى على ترك مصر تستدير كليا شطر التسليح الروسي. خاصة في هذا الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على لجم التمدّد الروسي ومحاصرته، كرد على سياسات موسكو إزاء أوكرانيا. بل ثمة اعتقاد يرى أصحابه أن الصفقة العسكرية المصرية مع موسكو، كانت على الأرجح رسالة أكثر مما كانت تحوّل في السياسة والشراكة.

وأنها حصلت في لحظة هبوط فعلي في العلاقات، بنتيجة تراكم الشكوك والهواجس المتبادلة التي بدأت مع الثورة الأولى ثم أخذت شحنة زخم إضافي مع الثورة الثانية ووصول الإخوان إلى الحكم وما أبدته واشنطن من تقارب معهم تحت ستار الوقوف إلى جانب العملية السياسية وما أفضى إليه صندوق الاقتراع.

بقايا هذه الخلفية كانت حاضرة أثناء زيارة الوزير فهمي. لكن المؤشرات لتخطيها، كانت أيضاً حاضرة، بحكم الحاجة «والمصالح المشتركة المتمثلة أساساً بمحاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي والتصدي لنشر أسلحة الدمار» والتي نوّه بها الجانبان أكثر من مرة، خلال الزيارة.