تزايدت وتيرة التناحر السياسي والتلاسن الإعلامي بين أهم قطبي القوى الكردية، المتمثلة في حزب العمال الكردستاني وحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البرزاني، وذلك على خلفية قيام قوات البيشمركة الكردية بحفر الخندق الذي يفصل المناطق الكردية في سوريا عن نظيرتها في إقليم كردستان، ما أثر مباشرة على الأطراف الكردية السورية التي تدين الولاء إلى هاتين القوتين الكرديتين.

ولم ينحصر هذا التصعيد الإعلامي في إطار الحرب الكلامية المتبادلة بين قادة الحزبين الرئيسين، بل تحولت إلى مناوشات مباشرة بين مناصري حزب الاتحاد الديمقراطي الذين اصطدموا مباشرة مع قوات البشمركة الكردية التي تشرف على حفر الخندق جراء محاولة مناصري الاتحاد الديمقراطي القريب من العمال الكردستاني في ردم هوة الخندق بأدوات بدائية تعبيراً عن سخطهم لما يقوم بها حكومة إقليم كردستان ضد أقرانهم الكرد في سوريا.

والمثير في الأمر، ان صدى الاحتجاجات المناهضة لحفر الخندق وصل إلى سجون تركيا حيث من المفترض أن يكون هناك إضراب عن الطعام لعشرة آلاف معتقل يومي 21 و22 أبريل الجاري احتجاجاً على قيام حزب العدالة والتنمية التركي والحزب الديمقراطي الكردستاني بحفر الخنادق وبناء الجدران مع غرب كردستان «روج آفا» كما يطلق عليه أكراد سوريا.

رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني برر موقف حزبه من حفر الخندق إلى الضرورات الأمنية وحماية سلامة الإقليم، فيما شدد العمال الكردستاني على لسان زاخو زاغروس عضو قيادي في حزب العمال الكردستاني بوجود اتفاق سري بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والدولة التركية بالقضاء على ثورة غرب كردستان «روج آفا»، واتهم حزب البارزاني بأنه يلعب بالنار.

صراع نفوذ

ويبدو جلياً وفق للمراقبين، أن خلفية هذه الأزمة نابع في جوهرها من صراع النفوذ السياسي على المناطق الكردية السورية، حيث تخضع غالبية المناطق الكردية تحت نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في ظل نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، في الوقت الذي يتعمق النزاع بين أن تكون المنطقة مدارة وفق مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي وحده، أو تنقسم مناصفة بين نفوذ مناصري البرازني ومناصري عبد الله أوجلان.

وتشير المعطيات الجارية، إلى أن حزب الاتحاد الديمقراطي ماضٍ في تعزيز وجوده في المناطق الكردية دون أن يرضخ لصيغة المناصفة التي يطرحها مناصرو البرزاني المتجسد في حزب الاتحاد السياسي الوليد حديثاً برعاية إقليم كردستان. الأمر الذي سيدفع البرزاني أن يستخدم أوراقا قد تزعج الاتحاد الديمقراطي ومن ورائه العمال الكردستاني بشروط تقتضي أن يتم تقسيم المناطق الكردية السورية بين نفوذ الطرفين. وهو الأمر الذي يرفضه الاتحاد الديمقراطي جملة وتفصيلاً وذلك لما قدمته وفق ما يعبر مناصروه في المناطق الكردية السورية من طاقات وجهود على الصعيد التنظيمي والعسكري والسياسي بغرض ترسيخ نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية.

تشديد الخناق

ومن بين الأوراق التي استخدمها البرزاني كما يشير الاتحاد الديمقراطي هو إيعاز لقواته في حفر الخندق وإغلاق معبر سيمالكا بغية تشديد الخناق على المناطق الكردية، سيما أن المنطقة تشهد تدهوراً من الناحية الإنسانية والاقتصادية بسبب حرب داعش على المناطق الكردية وإغلاق المعابر الحدودية أمام حركة التجارة.

والأمر الآخر الذي أثار حفيظة الاتحاد الديمقراطي هو ولادة حزب الاتحاد السياسي المنبثق من رحم أربعة أحزاب كردية سورية برعاية مسعود البرزاني في العاصمة هولير. مما فسر هذا التطور السياسي من قبل الاتحاد الديمقراطي والعمال الكردستاني على أنه ورقة ضغط سياسي جديدة تهدف إلى تقليص نفوذ الاتحاد الديمقراطي.

وكردة الفعل على هذه المخاوف، تحركت قوات الشرطة «الآسايش» القريبة من ميول الاتحاد الديمقراطي في اعتقال عدد من أعضاء هذا الحزب الوليد في بعض المناطق الكردية، وطرد مراسلي القنوات الإعلامية التي تتبع لسياسة إقليم كردستان.

ويبقى هذا الصراع المكشوف مرهونا بالتطورات الدولية والإقليمية والداخلية، لما لكلا الطرفين من علاقات ومشاريع تتنافر مع الاستراتيجيات المتبعة في المنطقة، فضلاً أن المصلحة الكردية بحسب غالبية التيارات السياسية الكردية تستدعي أن تردم حجم الخلافات إلى حدودها الدنيا، وإلا قد يتطور مسار الخلافات إلى تداعيات من قبيل نشوب الحرب الكردية - الكردية كآخر خيارات في جعبة الطرفين.

حجة

يعتقد الكاتب الكردي فاروق حجي مصطفى أن حفر الخندق ما هو إلا حجة وليس سبباً للخلافات، وقال ان «حفر الخندق هو من حق الإقليم الكردي ويشرع له القانون الدولي، لأنه مسألة سيادية، أما اذا كان السبب هو ولادة حزب الاتحاد السياسي تحت مظلة البرزاني فيجب التفهم أن من حق كل تيار حزبي يؤسس لنفسه، بغرض تحسين أدائه النضالي». واضاف « لا يجوز اخذ ما جرى حجة لافتعال خلاف قديم جديد بين مدرستين سياستين كرديتين إحداهما تابعة لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود البارزاني، وزعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا عبدالله اوجلان».